الكاتب مصطفي كمال الأمير

هجرة العرب للغرب – بين عالمين ..الكاتب مصطفي كمال الأمير

هناك مقولة شهيرة من حكيم أفريقيا المناضل الراحل نيلسون مانديلا “إني أتجول بين عالمين أحدهما ميت والآخر عاجز أن يولد
وليس هناك مكان بينهما حتى الآن أريح عليه رأسي”
هذه الجملة ربما تلخص حالة المهاجر العربي الي الغرب في رحلة شاقة طويلة وبعيدة عن جذور الوطن
الذي يعيش الآن ضياع أحلامه وأحلك أيامه بعد ضربات الإرهاب الدولي في اوروبا ٢٠١٥ وأمريكا في ١١ سبتمبر ٢٠٠١
ودور الإعلام الغربي في إلصاق تهمة الإرهاب بالعرب والمسلمين دائماً
هنا نتكلم عن الهجرة العربية للغرب
من الصعب التحديد بدقة توقيت بدء الهجرة العربية للغرب
ولكنها على أية حال بدأت منذ ما يزيد عن مائة عام
وقد بدأت من بلاد الشام سوريا ولبنان وفلسطين
( بالتزامن مع عودة يهود العالم لإسرائيل
كما لو كانت عملية منظمة لتبادل الأوطان وضياع فلسطين )
وهاجروا من اليمن أيضاً بحرياً
بعدما هاجروا أفرادا وجماعات للبحث عن حياة أفضل واستوطنوا في الأمريكتين شمالا وجنوبا واندمجوا تماما ببلدانهم هناك حتى وصلوا الجيل الخامس منهم
وحقق عدد منهم نجاحات كبيرة هناك، حتى أنهم نجحوا في الوصول للرئاسة في بعض البلدان، مثال لذلك: كارلوس منعم في الأرجنتين وعبدالله كرم، ورينيه معوض في الإكوادور وميشيل تامر رئيس البرازيل
وكان هناك أيضا أدباء مبدعين
مثل الشعراء إيليا أبو ماضي وجبران خليل جبران والمغنية الكولومبية الشهيرة “شاكيرا”، وهي من أصول لبنانية
والامريكي الراحل، “ستيف جوبس” المعروف بتطويره للأي فون بشركة أبل الأمريكية وهو من أصول سورية والده كان يدعى عبد الفتاح جندلي، ووالدته من أصل سويسري، والغريب أن والدته حملت من السوري ورفضت أسرة الأم السويسرية (جوهان كارول شايبا) زواجها منه فاضطرت الأم إلى البحث عن أسرة تتبني وليدها، فتبناه الأميركي بول رينولد جوبس، ومن هنا كان أسمه.
وهناك أيضا “كارلوس غصن” الرئيس السابق لشركة رينو نيسان كبري شركات صناعة السيارات وهو من أصل لبناني
والمكسيكي من أصول لبنانية “كارلوس سليم”، الذي كان يعتبر من أغني أغنياء العالم وأيضا المليونير المصري “محمد الفايد” في بريطانيا وآخرون يصعب حصرهم ويضيق بهم المقال والمقام.
وهذه بعض الأمثلة، غير أن نجاح كل هؤلاء لا يعتبر ظاهرة عامة بالنسبة للسواد الأعظم من المهاجرين العرب.
وكانت القارة الأوربية قد شهدت موجة من الهجرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وخاصة في ظل احتياجها للأيدي العاملة الرخيصة لتعمير وبناء أوروبا في برنامج التعمير الذي أطلق عليه أسم “مشروع مارشال” الامريكي بعد الدمار الذي شهدته العديد من المدن الأوربية أثناء الحرب العالمية، فقاموا بجلب العمال من جنوب أوروبا (اسبانيا وايطاليا واليونان والبرتغال)
وأيضا من بعض الدول العربية مثل المغرب وتونس والجزائر، وغيرها من دول المستعمرات الأوروبية السابقة في آسيا وأفريقيا
ويذكر تاريخيًا أن أوروبا كانت قد طلبت من الرئيس جمال عبد الناصر الإستعانة بالعمالة المصرية لتعميرها بعد الحرب
لكنه رفض ذلك تماماً !!
وربما كان محقا وقتها لأن مصر علي مدار تاريخها لم تكن أبدا طاردة لأبناءها منذ أبو الأنبياء ابراهيم ويوسف وموسي
بل جاءت إلى مصر أعداد كبيرة من المهاجرين فرا من الحرب في اوروبا بالإضافة إلى أعداد كبيرة من اليونانين والأتراك والأرمن والشوام والسودانين والمغاربة.
ولكن دورة عجلة الزمن دفعت المصري في السنوات الأخيرة، للعمل بالخليج والأردن والعراق وليبيا وحتى الهجرة غربا لأمريكا وأوروبا.
نعود الي غرب أوروبا ، فأنه بعد أن تم تعميرها وبنائها بعد الحرب وتحسن الحال في جنوبها عاد المهاجرون الإيطاليين والاسبان والبرتغاليين إلى بلادهم
وتبقي فيها المغاربة والأتراك بثقافتهم ومساجدهم وأسواقهم، ومن هنا ظهرت التيارات اليمينية العنصرية في كل اوروبا، مثل حركة بيجيدا في ألمانيا وماريان لوبان في فرنسا ويورج هايدر في النمسا والكتلة الفلمنكية في بلجيكا
وفي هولندا (هانس يانمات، بيم فورتن، هيرسي وفيلدرز)
ونجحت بعض تلك الأحزاب العنصرية في الوصول للمشاركة في الحكم
من خلال شعار وحيد هو كراهية الإسلام والمسلمين وموالاة اسرائيل
وذلك لإحساس الأوربيين بعقدة الذنب تجاه اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية
لكن العرب هم من دفعوا ثمن ذلك
يظهر الآن سؤال كبير عن مستقبل الهجرة العربية في أوروبا لأن وضع المهاجرين العرب الآن ليس مثاليا فمثلا في هولندا نسبة المسلمين لعدد السكان يقارب 6%
ولكن نسبتهم في السجون تزيد عن 60 % !!!
كذلك الحال في فرنسا واسبانيا وايطاليا وبلجيكا
وهذا الخلل الكبير يجب علي وزارات الهجرة وعلماء الدين والاجتماع إصلاحه بخطوات عملية.
مشكلتنا أننا نتكلم كثيرا ولا نفعل شيئا لتوصيل صوتنا وقوتنا للاستفادة من عشرات الملايين من المسلمين المهاجرين في الغرب،
لا سيما في فرنسا التي توجد بها أكبر جالية مسلمة بأوروبا
وبريطانيا أيضا كذلك من باكستان والهند ودول آسيا وأفريقيا،
ثم ألمانيا التي يتواجد فيها ملايين الأتراك المسلمين،
هذا بالإضافة إلى اسبانيا وايطاليا وبلجيكا التي يتركز فيها وجود مغاربي كبير جدا.
لهذا يجب علينا أن تنظيم صفوفنا من أجل تحديد الأفق الجديد للتعاون لتكوين جماعة ضغط علي غرار “الايباك” بتنظيم اجتماع دوري للتشاور وتبادل الرؤى والخبرات وللضغط علي صناع القرار من الساسة خصوصا في بروكسل عاصمة أوروبا الجديدة وقلبها النابض لوجود مقر الناتو والاتحاد الأوروبي بهيئاته.
ولنتفاءل أن أعداد أبناء المهاجرين من الأجيال الجديدة قد بدأت بالتزايد في الجامعات والمعاهد العليا والتميز في مهن راقية مؤثرة وفي مجالات فنية ورياضية أيضا من أشهرهم زين الدين زيدان وغيره الكثير ممن حققوا نجاحات متميزة
للإيجاز فقد بدأت الهجرة العربية أولا بالأيدي العاملة فيما يعرف بهجرة السواعد لبناء اوروبا ثم بالعقول والكفاءات العلمية الجامعية فيما يسمى بهجرة العقول
وانتهاء بالأموال والرساميل العربية الهائلة التي تدير عجلة الاقتصاد في العالم حاليا وخاصة في أمريكا وأوروبا حتى شراء أندية كرة القدم المفلسة،
بدون الاستفادة الحقيقية للعرب من حشد خير هذه الموارد والطاقات لخدمة بلادنا الأم،
غير أن تكون مجرد محطة كبري لوقود البترول في العالم الجديد
بعد أن كانت مقر قيادة ومنارة العالم القديم
ختامًا أطرح سؤالًا هامًا يحتاج لإجابة حقيقية صادقة
من المستفيد من هجرة العرب للغرب ؟ بلادهم الأصلية أم بلاد المهجر
الإجابة تكمن في مقارنة مفزعة عن نسبة المهاجرين العرب في أوروبا تقريبًا 5% مثلما هي نسبة اليهود بين العرب في “السرق” الشرق الأوسط في إسرائيل ( فلسطين المحتلة )
التأثير واضح جدًا أنهم يعملون بكل جدية علي الكيف وليس الكم
بينما نحن غافلون متصارعين متفرقين بدون تأثير في الغرب أو الشرق

اترك تعليقاً