اسلاميات

مراجع الموروث الاسلامي بين الحقيقة والتساؤل

عام 632 التي مات فيها محمد ص ، ظهرت أول سيرة عنه ، وقد كتبها ابن اسحاق سنة 765 ، أي بعد 130 أو 140 من وفاته ص ، والسؤال هنا : ( هل أخذ ابن اسحاق عن شهود عيان ؟ ) ، الجواب : ( لا نعرف ) ، لان الكتاب كتب عليه ( حياة محمد ، ترجمة لسيرة رسول الله لآبن اسحاق ) ، وهذه كذبة ، لأن الجميع تعلم أن ابن اسحاق هو من ألف هذا الكتاب ، وهو كتاب ضخم ، لذا من المنطق ، العد موضوعيا بالرسم العقلاني لنرى من ألفه حقا ، الذي سيبين أن مؤلف السيرة ، هو ابن هشام سنة 833 ، أي أنه بعد 70 سنة من وفاة ابن اسحاق ، اخذ من الكتاب ما أراد وترك مالم يعجبه ، ولا نعرف ما مقدار ما أخذ وما ترك ، لأننا لا نملك شيئا عن ابن اسحاق ، ولأن ما بين أيدينا ليس سوى لابن هشام ، ما يدل أن هذا الكتاب ، ليس سوى كتاب ابن هشام ، ولهذا يجب أن نضع هذا السؤال : ( ما لهؤلاء يأخذون ما يحلو لهم ، ثم يرمون أو يحرقون ما لا يعجبهم ؟! ) .
وعن السيرة ، فلدينا سيرة أخرى كتبها الواقدي ، مات بعد ابن هشام بعامين تقريبا ، ثم لدينا كتب الحديث ، والبخاري سنة 870 ، سلك نفس نهج ابن هشام ، عندما أخذ ما أعجبه وترك مالم يعجبه ، ومن جملة 600 ألف حديث ، لم يترك سوى 7397 ، من ضمنها أحاديث مكررة ، ان حذفنا المكرر ستكون نحو 2000 حديث فقط ، أي أنه تخلص من 99 في المئة منها ، بحجة انها أحاديث ( مختلفة ) ، فكيف عرف أنها احاديث مختلفة ؟! ، فما فعله البخاري كان سنة 870 ، اي بعد نحو 240 سنة من الأحداث ، وهذا سيدخلنا ان كل مانعرفه عن حياة رسول الله ص ، وفاته ، انتقاله من مكة الى المدينة ، زوجاته ، وكل التفاصيل التي لا وجود لها في القرآن ، موجودة في مجلدات البخاري التسعة ، فما الذي حصل للاحاديث التي تخلص منها ؟! ، أين هي اليوم ؟! ، أليس من حقنا الاطلاع عليها ؟!! .
ثم لدينا صحيح مسلم ، مات مسلم عام 875 ، ثم الترميذي عام 884 ، وابن ماجة توفي 887 ، وأبو داوود مات عام 899 ، النسائي مات عام 915 ، وهذه الكتب الحديثية ، هي الأصح عند الطائفة السنية ، والتي يفترض أنها صحيحة .
دون ان ننسى أيضا نوعان آخران وهما : التفسير والتاريخ ، تلك هي الانواع الاربعة من المصادر ، واول من كتب التفسير والتاريخ ، هو الطبري من القرن 10 م ، رغم أنه في الواقع ، نحن المسلمين ننسب التفاسير الى ابن عباس ، ولا نملك شيئا من كتاباته ؟!!! ، الا أننا اليوم نعتمد على فقهاء مثل الطبري ، وهو نفس الشئ مع البخاري ، وابن هشام ، الذي نقلوا ما أرادوا لنا أن نعرفه ، وأخذوا ما اهتموا به ، ورموا بكل مالم يوافق عليه ، فكل مانعرفه اذن عن نبينا محمد ص ، وعن بدايات الاسلام ، لم تبدأ كتابته الا بعد 201 سنة وفاته !!! .
دعنا الآن ، نترك تلك ال 200 عام ، ونستبدلها بـ ( عبدالملك ابن مروان ) ، وهو أول من أدخل الشهادة الاسلامية على العمولات ، وفي قبة الصخرة ، وبروتوكولات الخلافة الرسمية سنة 692 ، وهنا نتحدث عن 141 عاما ، سبقت تدوين الرواية التي بين أيدينا ، والعباسيون وصلوا الى السلطة عام 749 ، وهم من صنع هذه السردية الجديدة ، ونحن نعلم ان العباسيون يكرهون الامويين ، ولم يريدوا ان يبقوا لهم أثرا ، وهذا مايجعلنا ان كنا نريد ان نعرف هذه الرواية ، التي نقلها لنا ابن هشام والواقدي وغيرهم ، علينا العودة الى الزمن الذي بدأ فيه كل شي ، اي العودة الى العباسيين ، وحتى مع حلول التاريخ الذي وصل فيه العباسيون الى الحكم عام 749 ، كان ابن اسحاق اول من كتب قصة النبي ص . غير أن قصة ابن اسحاق ، لم تكن بالنسبة لهم جيدة بمافيه الكفاية ، فقد اعتمدوا بعد 68 سنة ، سيرة ابن هشام ( القانونية ) الجديدة ، والامر سيستغرق 40 سنة اخرى ، لتظهر أحاديثه سنة 870 ، اي بعد 240 سنة من رسول الله محمد ص .
ولنرى من أين جاء فقهاء الدولة العباسية ، خاصة الرواية الاسلامية ، التي تحكي ان كل شي حدث في مكة والمدينة ، لان مايهمنا هو ان ننظر الى الاماكن التي ألف فيها أولئك الفقهاء كتبهم ، ومن اين جاءوا ، لأنهم كانوا يسكنون مدينة بغداد التي كانت تسمى قديما ctesiphon ، التي تبعد عن مكة ب 1800 كلم ، وهي مسافة ضخمة ، ثم اننا نعرف ان ابن هشام الذي كتب السيرة ، قد ولد بالبصرة ، ونشأ في القاهرة ، وعمل ببغداد ، والقاهرة تبعد عن مكة ب 1600 كلم ، اما البصرة ب 1800 كلم ، وهي مسافات شاسعة ، ولا أحد من هؤلاء الفقهاء كان في مكة أو المدينة ، لقد كانوا جميعا في الشمال .
ثم ماذا عن البخاري ؟!! ، انه من بخارى ، وهي اوزبكستان ، اليوم على بعد 4200 كلم من مكة ، اما الطبري الذي ألف التفسير فهو من طبرستان بعيدة عن مكة ب 2800 كلم ، وهذا دليل ، ان لا احد من الكتاب الذين تحدثوا عن رسول الله محمد ص ، كتب في مكة او المدينة ، كما توحي التقاليد ، لقد كانوا بعيدين جدا عن مكة ، وجميعهم جاء من غرب بغداد وشرقها ، فكل الفقهاء عملوا في بغداد التي تبعد 1800 كلم الى الشمال وهو المكان الذي نشأ فيه العباسيون ، كما كل الفقهاء كتبوا في القرن 9 و 10 بعد الميلادي ، وبهذا يجب ان نستنتج انهم كتبوا تلك المواد على بعد مئات الكيلومترات ، وبعد تأخر مئات السنين .
فلماذا يخبرونا علمائنا وفقهائنا ان الصحابة هم الذين كتبوا هذا كله ؟!! ، لان الصحابة ببساطة لم يكتبوا هذا ، ولا احد منهم كتب زمن رسول الله محمد ص ، كل الذين كتبوا وعاشوا بعد 200 الى 300 عاما ، كانوا بعيدين آلاف الكيلومترات شمالا .
سفيان حكوم آعلامي وباحث من المملكة المغربية.

زر الذهاب إلى الأعلى