تاريخ وذكريات

محمود الأسيوطي .. حدوته مصرية

السندباد ونادي الأسيوطي .. أهم المحطات. من الخوالد إلى النمسا.. حكايات وروايات.
تقرير : أيمن صيام.
* مقدمة *
لقد شهدت مصر على مر التاريخ الكثير والكثير من الأسماء الرنانة التي ساهمت بشكل كبير في صناعة ومعالم التاريخ القديم والمعاصر وتمكنت ،عن جدارة وإستحقاق ، من حفر أسمائها بحروف من الذهب .
فحين قررت كتابة هذا التقرير المهم والتاريخي لصاحب هذه القصة رأيت أن أغترف المعلومات من مصادرها المؤكدة ومن صاحب الرحلة شخصياً لكي تخرج القصة في أصدق صورة معبرة وشارحة لأن صاحبها نموذج مصري وطني مشرف يجب أن يُحتذى به ورأيت أنه من الضروري تسليط الضوء عليه ليراها ويقرأها الجميع ولتتعلم منها الأجيال القادمة معنى كلمة الكفاح والصبر والإخلاص في العمل . وقد ذكرني هذا التقرير أثناء كتابته بقول الله تعالى
“بسم الله الرحمن الرحيم” وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون “صدق الله العظيم”
وبقوله “صلى الله عليه وسلم” إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
وغيرها كثيراً من الآيات والأحاديث التي تحث على الجهد والعرق والإخلاص في العمل ..
* ضرورة توثيق التاريخ*.
من المهم جداً بل ومن الضروري أن يهتم كاتبي التاريخ بالأشخاص الذين صنعوه ، ويحدث بين حين وآخر أن تظهر لنا شخصيات مصرية لها تأثير إيجابي في المجتمع المصري لتساهم بدورها في صناعة جوانب التاريخ الرمزي لمصر في أبعاده الإقتصادية تحديداً . والسير الذاتية لعديد من الشخصيات التي مرت بعالمنا العربي هنا وهناك خير دليل على ذلك ، فيحدث أن تستهوينا سيرة إحدى تلك الشخصيات التي نكون قد إرتبطنا بها فتتولد لدينا الرغبة في أن نقتفي أثرها ، ونستلهم من سيرتها وندونها لتكون لنا فيها إسوةٌ حسنة في محاولة منا للإقتراب أكثر منها وفَهمها ، وستظل وتبقى مصر دائماً وأبداً ولادة ومليئة بأبنائها الوطنيين المخلصين الذين لم ولن يبخلوا بمجهوداتهم وأموالهم وأفكارهم البنائة لخدمة هذا الوطن وشعبه العظيم ومن هؤلاء المخلصين المكافحين بطل حكايتنا اليوم القائد بالفطرة والعصامي الذي بنى نفسه بنفسه وشهد له القاصى والداني في كل ربوع مصر بل والوطن العربي أيضاً ، إنه “محمود السيد محمد أحمد” الشهير “بمحمود الأسيوطي” مواليد 26 / 4 /1962 ابن قرية الخوالد التابعة لمركز ساحل سليم بمحافظة أسيوط ، مصري الجنسية ، وحاصل على بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة أسيوط عام 1989 ، يجيد اللغة العربية والألمانية والإنجليزية ، وحاصل علي الجنسية النمساوية عام 2001.
* رحلته مع الساحرة المستديرة ..
هي رحلة التحدي والإصرار والعزيمة لمقاتل ومكافح مصري خرج من صعيد مصر أرض الرجولة والصعاب وهي قصة يعتقد من يقرأها أنها نسيج من وحي خيال المؤلف لأنها حقاً مليئة بالمفاجآت ، فقد بدأت هذه الرحلة في سن مبكرة عندما كان يبلغ من العمر 13 عام وهو في مرحلة التعليم الإبتدائي بمدرسة الخوالد الإبتدائية بقرية الخوالد ، التي عاش فيها هو وأسرته حياة ريفية بسيطة تفتقد لأبسط مقومات الحياة الطبيعية التي يعيشها أهل المُدن مثل خدمة الكهرباء و الصرف الصحي ووسائل المواصلات والإتصالات والرفاهية مثلها مثل الآلاف من قرى مصر آنذاك . ولكن أهل الخوالد إكتفوا بمتابعة ومشاهدة مسلسلات القتل والأخذ بالثأر التي توجد بقريتهم على مدار الساعة والتي إشتهر بها صعيد مصر منذ زمن طويل حتى وقت قريب ، حتى أصبح أقصى أحلام الأطفال والشباب أن يحملوا السلاح الناري ( البندقية الآلي ) حتي يتحدث عنهم الجميع ويصبحوا حديث الناس ، ويالها من فرحة وسعادة لو إكتمل هذا الحلم بقتل أحد بهذه البندقية ليصبحوا مثل ( فلان أو علان ) الذين تلوثت أيديهم بالدماء .
فقد إنتقل محمود سيد محمد أحمد الشهير ب “محمود الأسيوطي” وعمره 13 عام إلى مركز ساحل سليم لكي يلتحق بمدرسة ساحل سليم الإعدادية وكانت المفاجأه بالنسبة له أن بها “كهرباء” .
ومنذ أول يوم وهو يحاول أن يكتسب كل شيئ من حياة المدنية و إنتقل إلى الصف الثاني الإعدادي ، وبالتحديد عندما تمكن من الجلوس في الصف الأول بل والدرج الأول أو كما يقال ( التختة الأولى ) . وهنا كانت البداية الفعلية لنقطة التحول لأن من حُسن حظه كان يجلس بجواره زميل اسمه ( توتي داهش ) من قرية الشامية وكان لاعب كرة قدم مميز جداً وله شعبية كبيرة وعشاق في كل مكان في ذلك الوقت . وقد تقاسموا سوياً بعد ذلك ريادة الفصل فقد أصبح محمود الأسيوطي رئيساً للفصل وهو رئيس اللجنة الرياضية ..
* نقطة التحول في حيات الأسيوطي
وفي حياة الأسيوطي نقطة تحول وهي عندما وجد زميله ” توتي داهش” يختار أسماء فريق كرة القدم الذي سيمثل الفصل للعب في دوري المدرسة وكان وقتها محمود لا يعرف شيئ عن هذه اللعبة ولكنه يرغب بشدة في التواجد وبالفعل طلب من زميله هذا أن يكون أحد قوام الفريق وبعد إلحاح شديد ونقاش دام طويلاً تمت الموافقة على إنضمامه لفريق الفصل حتى جاء وقت أول مباراة شارك فيها دون أن يتدرب أو يعلم شيئ عن قوانين اللعبة ، وبالفعل نزل إلى أرض الملعب وهو يشعر بالقلق والتوتر وقد فوجئ بجماهير غفيرة تتوافد حول الملعب جائت لتشاهد المباراة ، ولم يعلم وقتها أن هناك قواعد وقوانين لكرة القدم يجب الإلتزام بها ، وبدأت المباراة ووجد نفسه يخالف القانون بشكل مثير للدهشة مما أضحك الجماهير وذلك بعد أن قام بإستخدام اليد في اللعب وبدأت تهاجمه الجماهير لهذه الفعلة فهرب بسرعة خارج الملعب ودون إذن من حكم المباراة أيضاً وذهب إلى بيته في قريته “قرية الخوالد”وقد قضى أصعب ليلة في حياته متأثراً بما جرى وظل يبكي ويفكر ويسأل نفسه كيف سيواجه زملائه في اليوم التالي وماذا سيقول لهم ، حتى أخذ قرار بعدم الذهاب إلى المدرسة في اليوم التالي ودخل في صراع نفسي مابين الخوف والتراجع وبين التحدي والمواجهة وهنا تظهر بداية نواة حقيقية للشخصية القيادية التي تستطيع المواجهة وإعادة ترتيب أوراقها بسرعة فائقة ، فقد قرر أن يذهب إلى المدرسة في اليوم الثالث لكي يغير الواقع الصعب المرير الذي يعيشه وكان ذلك اليوم الحزين والمحرج الذي يعد نقطة التحول في حياته ..
* الإصرار على تحقيق الهدف.
وبدأ في التفكير بالفعل في كيفية أن يصبح لاعب كرة يشار له بالبنان كباقي اللاعبين وخاصةً أن هذه اللعبة ليس لها تواجد في قريته . فأول شيئ فعله أنه تعلم قانون اللعبة ثم تعلم كيفية عمل الكورة الشراب ، ثم قام بعد ذلك بجمع أبناء قريته وعرض عليهم ممارسة لعبة كرة القدم وكانوا فرحين جداً بهذه التجربة الجديدة واتبعوا تعليماته لثقتهم فيه ، وبالفعل بدأوا يمارسون اللعبة حتى أصبح لديهم فريق مميز على مستوى مركز ساحل سليم . وقد تطور فنياً في كرة القدم لأنه يمتلك الرغبة والإرادة وتحدى الصعوبات ووضع لنفسه هدفاً أراد تحقيقه والوصول إليه حتى وصل في الدراسة للمرحلة الثانوية . وبالفعل إستطاع الإلتحاق بمنتخب المدرسة الثانوية واللعب في دوري المحافظة وكان وقتها علي وشك الإنضمام لمنتخب أسيوط ولكن لم يحالفه التوفيق ..
* مرحلة الجامعة.
وبعد المرحلة الثانوية إلتحق محمود الأسيوطي بكلية التجارة جامعة أسيوط قسم إدارة أعمال وفي خلال السنة الدراسية الأولى جاء الدكتور عبد الأحد جمال الدين وزير الشباب والرياضة آنذاك في زيارة ليجتمع بشباب الجامعة وأثناء حضور محمود الأسيوطي للإجتماع كتب طلب للوزير من أجل إنشاء مركز شباب في قريته وكانت الإستجابة لهذا المطلب درب من الخيال بل ومن المستحيل ، ولكن أراد الله ووافق الوزير بالفعل على الطلب المقدم من الطالب “بالفرقة الأولى” محمود سيد محمد أحمد ، وفوجئ أهل قريته بإعتماد إنشاء مركز الشباب وكان هو أمين الصندوق وهو في التاسعة عشر من عمره وشغل هذا المنصب لمدة عام فقط وذلك نظراً لظروف سفره إلى خارج مصر . وصارت بعد ذلك رياضة كرة القدم هي اللعبه الأولى لأبناء قريته بفضل هذه الخطوات ..
* أول تجربة سفر لأوروبا
وفي أول عام دراسي له بالجامعة سافر محمود الأسيوطي إلى دولة اليونان في رحلة سياحية نظمتها إدارة جامعة أسيوط ، ولكنه أراد أن يستغل هذه الرحلة للبحث عن العمل والمعرفة وإلى الآن لا ينسى محمود الأسيوطي لحظة نزوله من الطائرة في مطار “أثينا” فقد تعرض لصدمة حضارية بكل ماتحمله الكلمة من معنى ، فقد كان منبهراً بما رأه بعينيه وشعر بأنه في حلم لا يصدقه عقل لأنه إنتقل من بيئة إلى بيئة مختلفة ومن عالم إلى عالم آخر . وبالفعل بدأ في رحلة البحث عن العمل في كل مكان وبكل جدية في صراع قاتل مع الوقت خوفاً من ضياع الفرصة التي ربما لن تتكرر مرة أخرى وبعد ثلاثة أيام من السير على الأقدام حتى تورمت قدماه وفجأة وهو مُنهك من التعب ظهر له رجل مصري يوناني وكأن العناية الإلهية قد أرسلته خصيصاً لتنتشله قبل أن يتسلل إليه الإحساس باليأس ويتذكر الأسيوطي أن هذا الرجل من مدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية وهذا الرجل يشبه الخواجات في شكله وملابسه فقد كان هو المنقذ له وساعده ولم يتركه لحظة واحدة حتى وفر له عمل في أحد المطاعم وساعده في توفير سكن صغير وبعدها أختفى هذا الرجل الطيب نهائياً ولم يره مرة أخرى . وعمل ليل نهار في المطعم “كعامل غسيل أطباق” حتي تعلم اللغة اليونانية وتم ترقيته بعد 6 شهور إلى مقدم طعام للزبائن وكانت هذه الترقية نجاح كبير في ذلك الوقت سيساعده بشكل كبير في تحقيق أحلامه وطموحاته الكبيرة التي كان جزءً منها هو شراء كرة قدم (كفر tempo الآن ) وملابس رياضية لأبناء قريته . وبعد عام شاق من الكفاح والعمل الدؤوب جاءت الرياح بما لاتشتهي السُفنُ . فقد قامت السلطات اليونانية بترحيل مجموعة كبيرة من المصريين إلى مصر وذلك لعدم حصولهم علي الإقامة ، وعاد محمود الأسيوطي إلى مصر ولم يحقق أمنياته بعد ، وعاش عام في مصر يملأه الحزن ويعتصره الألم ولكنه لم ييأس ، فقد حاول مرة أخرى وعاد الي اليونان في السنة الدراسية الثانية وهو مليئ بالإصرار والعزيمة وبالفعل قد حقق في هذه العودة نجاح نسبي ، ثم عاد إلى مصر مرة أخرى ليُكمِل دراسته الجامعية ثم سافر مرة ثالثة إلى اليونان لكي يُكمل رحلة النجاح ، ثم عاد مرة أخرى إلى مصر ولكن مازالت الطموحات والأحلام التي يتمنى تحقيقها تراوده ، وفي هذه المرة قد وجد نفسه وبدون مقدمات يغير إتجاه البوصلة ويقرر السفر إلى النمسا دون سبب معين ، مع العلم أنه لايعلم شيئ عن هذه الدولة ولا يعرف أحد هناك نهائياً لا من قريب ولا من بعيد ، ولَم يُزعجه هذا على الإطلاق لإيمانه بالله وثقته المطلقة في نفسه وقدراته الشخصية ، وبهذه المميزات قد إمتلك محمود الأسيوطي مقومات النجاح وأول خيوط رحلة الإعتماد على النفس والتوكل على الله وأنه يؤمن بأن الأماكن متشابهة ، ربما تكون الظروف والأجواء مختلفة ولكن بالقوة والإرادة والعزيمة والعمل والجهد والعرق والطموح والرغبة في النجاح ستجعل منه إنسان ناجح لا يؤمن بالفشل . وبالفعل توجه إلى النمسا لأول مرة في حياته وعمل مايقرب من شهرين في مكتب توزيع إعلانات بمدينة ڤيينا ثم عاد إلى مصر للحصول على شهادة البكالوريوس وقضاء الخدمة العسكرية . وبعدها عقد قرانه قبل سفره مباشرة على زميلته في قسم إدارة أعمال وكانت خير رفيق له في رحلة الكفاح وهي الأستاذة العظيمة الفاضلة “عزة فرغلي” . ثم قرر الرحيل مجدداً للمرة الثانية إلى النمسا وكان هذا في عام 1990 ، وبعد شهرين تقريباً أحضر زوجته إلى النمسا في مغامرة جديدة أخرى وهو مازال يتحسس الطريق ولكن كان لوجودها معه في الغربة عامل السحر في النجاح ومصدر قوة وإستقرار . وعاش محمود سيد محمد أحمد الشهير ب ( محمود الأسيوطي ) هو وزوجته في مقاطعة “شتايرمارك” وهي محافظة تبعُد عن ڤيينا العاصمة حوالي 200 كيلو وعاش هناك وعمل بها في تسعينات القرن الماضي ، وبعد سنه كاملة من التخبط والعمل في الإعلانات لم يجد أمامه إلا أن يغامر ويقتحم سوق العمل الخاص لأنه أدرك أن الوقت يداهمه . وبالفعل أخذ القرار وفتح مطعم ( تيك أواي شاورما ) في المقاطعة وكان أول مطعم من هذا النوع وأطلق عليه إسم (سندباد) وكانت المغامرة والتحدي الأكبر بالفعل أنه لا يبيع أي نوع من أنواع الخمور لأنها مخالفة لمبادئ الشريعة الإسلامية وكانت كل أحلامه أن يصبح مطعم “سندباد” بداية لإقتحامه عالم المال والأعمال .
* وبدأ العمل فعلياً حتى مَنّ الله عليه من فضله
وحدث مالم يكن يتخيله ويتوقعه عقل بشر ووجد الزبائن بالطوابير على المطعم في مشهد لم ولن ينساه حتى الآن مما جعل جميع صحف المقاطعة دون إستثناء تتحدث عنه وقد أفردت أكبر صحيفة في ذلك الوقت وهي صحيفة ( kleine Zeitung ) صفحه كاملة عن السيرة الذاتية له ، وكانت بعض الصحف المحلية تتحدث عنه أحياناً بالسلب بسبب تواجد أعداد كبيرة أمام المطعم في مشهد لم يعتادوا عليه نهائياً ، وفريق صحفي آخر يدافع عنه وعن ما أحدثه من رواج إقتصادي في البلد ، ومع مرور الوقت وزيادة الرزق بفضل الله وحمده إستطاع تدشين وإفتتاح أول مسجد في مقاطعة “ليوبن” نفسها وهو مسجد “ليوبن” وأستقبل هذا المسجد مسلمي البوسنة أثناء حرب البوسنة والهرسك ويُعد هذا العمل بلا شك من أفضل أعماله في الغربة . وعندما تأكد نجاحه وإثبات وجوده بدأت بعض العقول العنصرية الحاقدة من أصحاب المطاعم النمساوية المجاورة في إعلان الحرب عليه بشتى الطرق المشروعة وغير المشروعة فقد إستغلوا الأخطاء الإدارية البسيطة لعدم معرفته بها وعدم وجود خبرات سابقة له في هذا المجال وكيفية تأسيس وترخيص المطاعم بالطرق المعروفة ، وكان أصعبها على الإطلاق عندما تلقى إتصال هاتفي من أحد الأصدقاء يوم الأحد وهو يوم أجازة المطعم وأبلغه بأن الواجهة الأمامية للمطعم مملوءة بالقاذورات وهي واجهة زجاجية ثم تلاها بعد ذلك تكسير الزجاج ثم تلاها رفع دعاوى قضائية ، وفي هذا التوقيت كان من المنطقي أن ينسحب من هذا الصراع الغير متكافئ لأنه ببساطة شديدة كان صغير السن ووحيداً ويخشى على نفسه وزوجته ولا يُجيد التحدث باللغة الألمانية بطلاقة ولا توجد خبرات كافية فوقع تحت ضغط كبير لا يستطيع أن يتحمله بمفرده ويستلزم منه التفكير بعقلانية حتى نصحوه أصدقائه المقربون أن يتخلص من هذا التوتر ويبيع المطعم وحدث هذا بالفعل ومازالت إلى الآن قصة مطعم “السندباد” تُحكي حتى الآن في هذه المقاطعة .. وبسبب هذه الأحداث المؤلمة لم يستطع محمود الأسيوطي أن يعيش يوم واحد مطمئن صافي البال في هذه المقاطعة حتى بدأ الإحباط يتسرب بداخله بعد محاربته بهذا الشكل والعمل على إفشاله في الحفاظ على هذا النجاح ،
وهنا كادت ثقته بنفسه أن تهتز ولكن طبيعة شخصيته القيادية كانت تحول دائماً بينه وبين هذا الشعور الذي يخالف تركيبته الفطرية تماماً والتي ولدت معه . وفي هذا التوقيت وبالتحديد في عام “91” رزقه الله بأول مولود وسمَاهُ “إسلام” وفي عام “94” رزقه الله بمولوده الثاني “سيف” .
* تغيير خط السير.
وفي إحدى الليالي وبعد تفكير عميق وحديث طويل مع النفس ودراسة الموقف دراسة وافية من كل الإتجاهات جلس مع زوجته شريكة ورفيقة رحلة الكفاح وقص لها كل شئ بالتفاصيل حتى تكون على دراية تامة بالموقف وبما يدور في رأسه وقال لها لابد أن نترك المقاطعة ونذهب إلى مكان آخر لنبدأ حياة جديدة ، فقالت له زوجته بضع كلمات لم ولن يمحوها الزمان ولن تنساها الذاكرة وتتعلم منها كل إنسانة مُقبلة على الزواج وقالت له “أنا أذهب معك إلى أي مكان في العالم فأنا عندي حسن ظن في ربنا وثقة عمياء فيك ورزقنا على الله” .
فكانت هذه الكلمات البسيطة الطيبة هي رد الزوجة المصرية الأصيلة وكانت هذه الكلمات بمثابة دافع قوي وطاقة إيجابية كان في أمس الحاجة إليها ، ونقطة إنطلاق وتحول آخر في رحلة الكفاح والبحث عن الذات ، ولكن هذه المرة تختلف عن سابقتها في المغامرة فالوضع أصبح صعب إلى حد ما فهذه المرة يوجد لديهم طفلين ولكن الزوجة هَونت عليه بكلماتها الرِقراقة فكانت بحق خير سند وخير رفيق .
* مغادرة شتايرمارك والتوجه إلى ڤيينا.
وبالفعل توجه محمود الأسيوطي وأسرته إلى العاصمة ڤيينا المليئة بالمصريين والمليئة بقصص النجاح والفشل وعاش فيها أول عام يعمل هنا وهناك من أجل سد حاجة أسرته لأنه في هذا الوقت كان لايمتلك رأس مال كاف يمكنه من شراء مطعم ولكنه في نفس الوقت كان يقوم بجس نبض سوق العمل وإحتياجات السوق ، فقرر أن يبحث عن مشروعات جديدة لاتحتاج لرأس مال كبير ، وبالفعل وجد ضالته ولكن بعد دراسة دقيقة جداً لسوق العمل قرر فتح شركة لتوظيف العمالة وكان ذلك في أواخر عام 1995 . وبدأ يدرس كل تفصيلة صغيرة وكبيرة تتعلق بهذا المجال .
استمر العمل في هذا المجال لعدة سنوات بكل جد وإخلاص حقق من خلالها الكثير والكثير من النجاحات التي لم يكن يتوقعها ، وفي عام 2002 رزقه الله بالطفلة ( رنا ) وجاء على قدومها خير وفير وكثير واستمر التفاني في العمل بنفس الإخلاص حتى عام 2006 . وفي نفس هذا العام إستطاع محمود الأسيوطي تكوين رأس مال مناسب يسمح له بإقامة مشروع في بلده مصر التي لم تغيب عن باله وعقله لحظة واحدة بكل مافيها حلوها ومرها .
وفي لحظات دار شريط الذكريات وعاد به الزمن إلى الوراء ليتذكر الليلة الحزينة التي تركت أثراً في ذاكرته وحياته وهو في سن الثالثة عشر من عمره .
وبالفعل توجه بعدها محمود الأسيوطي إلى قريته المحبوبة والقريبة إلى قلبه في أجازه ، وعندما كان متوجهاً للقرية و في طريق أسيوط وبالتحديد على طريق أسيوط الغربي شد إنتباهه وجود صحراء شاسعة لايوجد بها أحد وعند هرم “ميدوم” توقف بسيارته ونزل وسأل عن مالك هذه الأرض فقالوا له إن مالك هذه الأرض هي “جمعية الشرطة” ، وهنا بدأ في أكبر مغامراته على الإطلاق حتى هذه اللحظة لأنه تحدى كل الظروف وخالف الطبيعة والعقل والمنطق وجميع المقاييس عندما فكر وقرر وبدأ في تأسيس نادي رياضي ليلعب في الدوري المصري الممتاز ، يالها من روعة في الطموح والجنون رغم أنه في هذا التوقيت لم يكن يمتلك رأس المال اللازم لإقامة هذا الحلم . فكان لابد من إقامة مشروع يستطيع من خلاله تحقيق فكرة تأسيس وإنشاء نادي رياضي ، واحتفظ بهذه الفكرة لنفسه ولم يصرح بها لأي أحد حتي عائلته خوفاً أن يتهموه بالجنون ، وقال لكل المحيطين به أنه سوف يُشيد منتجع للمعسكرات الرياضية بحجة أنه يمتلك علاقات جيدة بفرق أوروبا وبالرغم من ذلك إتهمه الجميع “بالإنتحار الإقتصادي علي الطريق الصحراوي” حيث لايوجد بشر ولا بنية تحتية ولا أي نوع من أنواع الحياة في هذه المنطقة نهائياً ومع ذلك لم يهتم كثيراً بالنقد أو حتى الدفاع عن نفسه وتبرير موقفه وبعد مرور عامين من تأسيس هذا المنتجع جاءت أللحظة الفارقة وهي تإسيس النادي الذي طال إنتظاره والحلم به وبالفعل تم إشهار النادي في في عام 2008 . ونظراً لضيق الوقت بعد الإشهار لم يستطع الصعود وصعدنا بعد ذلك درجة تلو الأخرى حتى وصلنا إلى بطولة الدوري المصري الممتاز في موسم 2014 أي في خلال 5 سنوات وهو رقم قياسي جداً على مستوى أفريقيا ولم يتوقع الأسيوطي هذا النجاح السريع .
وبنفس سرعة الصعود للأضواء كان الهبوط سريعاً أيضاً وذلك لسوء الحظ حيث تم هبوط خمس فرق فكان من الصعب البقاء ، وعندما أيقن أنه لم يستطع الصمود وتسلل الإحباط إلى نفسه تذكر على الفور النجاح السريع الذي حققه في مطعم “السندباد” في النمسا وكيف لم يتمكن من عدم الحفاظ على هذا النجاح فتجربة التخلي عن النجاح لن تتكرر مهما كان السبب وبدأ يفكر ويفكر في كيفية إعادة ترتيب أوراقه والحل السليم في ظل وجود إدارة كرة قدم مهلهلة في مصر وتدار بشكل عشوائي وتطغى فيه المحسوبية والمجاملات وبعيدة كل البعد عن العلم ولغة الإستثمار الرياضي الصحيح ، فكيف يغامر مرة أخرى في هذا الجو العاتم والغير جاذب للإستثمار وهل ينسحب من حلبة المسابقة وكيف ينسحب . ولكن دائماً تطارده ليلته الحزينة التي قضاها بعيداً عن أعين الناس في مرحلة الطفولة وكيف واجهها بكل قوة وحزم ،
فوجد نفسه يستعيد كامل قواه مرة أخرى وأعلن التحدي والصمود والإصرار على الصعود مرة أخرى للدوري الممتاز بل والإصرار على عدم الهبوط مرة أخرى ، و أدرك الأسيوطي أن هذا لم ولن يتم إلا بالعلم والتخطيط السليم ، وبالفعل بدأ التخطيط والعمل الجاد وإستطاع خلق فريق يتكون من تشكيلة رائعة من الاعبين المميزين إستطاع من خلالهم إنهاء الموسم كأول (مجموعة شمال الصعيد) قبل نهاية الموسم بأربع أسابيع ليلتقي فريق الأسيوطي مع فريق النصر للتعدين في المباراة الأولى والتي إنتهت بالتعادل ١/١ في أسوان ، ثم المباراة الثانية والتي لم يتوقع أحد غير صعود الأسيوطي وبالفعل كان التفوق علي النصر للتعدين 1 / 0 حتى الدقيقه 12 من الوقت الضايع ولم يخطر على بال أحد في أي لحظة غير الصعود والإحتفالات والتهاني والتبريكات من جميع المصريين ولا يخطر على بال أحد أيضاً أنه سيستمع لكلمة أخرى غير كلمة مبروووك الصعود للأسيوطي ، وفجأة وبدون مقدمات يحتسب الحكم سمير عثمان ضربة جزاء من وحي خياله ويتعادل النصر للتعدين مع الأسيوطي ويحتكموا إلى ضربات الجزاء الترجيحية والتي تفوق فيها النصر للتعدين وصعد على ضوئها للدوري المصري الممتاز وسط حالة من الزهول لما حدث ، وكانت هذه من اللحظات الصعبة بل والمؤلمة على محمود الأسيوطي وكل العاملين بالمنظومة وعلى ضوء هذه الأحداث قرر السفر والعودة إلى النمسا في صباح اليوم التالي ، ولكن أثناء مغادرته منتجع الأسيوطي في صباح اليوم التالي رأى ملامح الإحباط على وجه كل العاملين في مشهد لن يقبله أي شخص يتسم بصفة القيادة ونظر إلى المنتجع وكأنه مهجور لاتوجد به حياة والصمت والسكون والهدوء يخيم على المكان ، وفِي هذه اللحظات الأليمة والمليئة بالحزن أدرك أنه القائد وربان السفينة الذي لا يجوز أن يشعر الآخرون بلحظة ضعفه أو إهتزازه في الأوقات العصيبة وأيقن وقتها كعادته أنه لابد وأن ينهض مرة أخرى وبسرعة من أجل تحقيق الآمال والطموحات التي يسعى إليها منذ الطفولة ومن أجل جميع العاملين والمحيطين وأن ماجرى ليس نهاية المطاف . وبالفعل بدأ وهو في الطائرة بإعادة ترتيب الأوراق والتفكير بتركيز والبدأ في العمل من الآن للموسم الجديد وواصل مع فريق العمل ليل نهار حتى تحقق الإنجاز وصعود الفريق إلى الدوري الممتاز دوري الأضواء والشهرة .
‎* الهبوط والصعود ودروس الماضي.
لقد أدرك كل القائمين على العمل بقيادة محمود الأسيوطي أصول اللعبة وتعلموا الدرس من دروس الماضي من هبوط وصعود ونجحوا في صناعة فريق معظمه من المواهب الشابة التي شهد لها الجميع و مازالت مستمرة وتتألق حتى الآن في كل فرق الدوري الممتاز بعد أن إكتسبت خبرات كبيرة ونجح أن يلقب فريقه بالحصان الأسود عن جدارة وإستحقاق والحصول علي المركز التاسع متخطين فرق عريقة وكبيرة في الترتيب وصعد إلى الدور قبل النهائي في كأس مصر بعد الفوز علي النادي الأهلي العريق والتعادل مع سموحة في الدور قبل النهائي والخروج بضربات الجزاء الترجيحية .
وحقق نادي الأسيوطي في هذا الموسم معظم الأهداف التي تم التخطيط لها بالفعل ، وبدأ الموسم الجديد بطموحات وأحلام جديدة وكان في ذلك الوقت خلافات المستشار ترك آل شيخ مع النادي الأهلي حديث الساعة ، وبعد الإطمئنان على فترة الإعداد الخاصة بالفريق ، وفي ليلة سفر محمود الأسيوطي إلى النمسا جائته رسالة من إبنه سيف بعد أن تلقى سيف إتصال هاتفي من شركة “صلة” أن المستشار ترك آل شيخ يريد إمتلاك أسهم النادي وهو الآن في سويسرا وبعد ساعة بالضبط وصلت تذاكر الطيران وحجز الفندق لمحمود الأسيوطي وإبنه سيف وتغيرت الرحلة بقدرة قادر من ڤيينا إلى زيورخ وبدأت المفاوضات والتي إنتهت بعد ذلك في روسيا حيث إقامة المنتخب السعودي . ومابين زيورخ وموسكو شاهد الأسيوطي الكثير من المصريين المشهورين وإستمع إلى عشرات وعشرات القصص والحكايات والروايات الكثيرة لامجال للحديث عنها الآن ، وبعد ذلك تم إنتقال ملكية نادي الأسيوطي إلى المستشار تركي آل الشيخ ولم تشمل الصفقة منتجع الأسيوطي الذي يمتلكه إلى الآن ، وتحول نادي الأسيوطي إلى نادي بيراميدز الذي مازال ينافس على بطولة الدوري ..
* تكريم الأسيوطي.
من الطبيعي بل ومن المنطقي أن تتسابق جهات عديدة لتكريم شخصية إقتصادية فعالة ومؤثرة في المجتمع مثل محمود الأسيوطي ، وبالفعل تم تكريمه من جهات عديدة وكان أفضلها وأقربها إلى قلبه هو التكريم الذي حصل عليه من معالي الدكتور خالد عبد العزيز وزير الشباب والرياضة كأفضل رئيس نادي في مصر رغم عدم وجود علاقة بينه وبين الوزير لا من قريب ولا من بعيد ولم يلتقوا سوياً من قبل ولكن من وجهة نظر الوزير أن الأسيوطي يستحقها عن جدارة ، وكان هذا في نفس الموسم الذي فاز فيه نادي الأسيوطي على النادي الأهلي وأقصاه من بطولة كأس مصر ..
* مساندة الدولة على حل مشكلة البطالة.
لاشك أن الشباب المصري هو أغلى مانملك من ثروات بشرية وعقلية ، ومن هذا المنطلق سعى الأسيوطي إلى خلق فرص عمل جديدة للشباب من خلال مؤسساته الإقتصادية في مصر في كل الوظائف وجميع المؤهلات بداية من فرد الأمن إلى أعلى المناصب الإدارية وهذا يساهم بشكل كبير وفعال في مساندة القيادة السياسية ومساعدة الدولة المصرية على الحد من مشكلة البطالة بقدر المستطاع َ.
* إعادة تجربة نادي الأسيوطي بشكل أعمق.
مازال الحلم قائماً ومازالت الساحرة المستديرة تداعب أفكاره وتسكن داخله فقد تم بالفعل تأسيس نادي “لاڤيينا إف سي” هذا الموسم وشارك في دوري قسم الدرجة الرابعة وتم صعوده للدرجة الثالثة للموسم القادم وستكون تجربة أقوى وأعمق من تجربة الأسيوطي بكثير وإنتظروا نادي “لاڤيينا إف سي” في الدوري العام الممتاز الأول السنوات القادمة ..
* الأسرة ودورها في مسيرة البناء.
أولاً : الزوجة “عزة فرغلي ” “بنت أسيوط” حاصلة على بكالوريوس تجارة إدارة أعمال جامعة أسيوط التي شهدت وعاشت معه نجاحاته وإنجازاته وإخفاقاته وهي الظهر والسَند وعمود الخيمة والأساس القوي الحقيقي الذي تم عليه بناء كل شيئ فقد وهبت نفسها وحياتها ووقتها لمساندة زوجها في رحلة كفاحه وتربية ورعاية أبنائها على أكمل وجه وأعظم تربية .
وله ثلاثة من الأبناء : الأول وهو “إسلام محمود سيد محمد أحمد” من مواليد 20/2/1991 النمسا ومسئول عن أعمال والده بالنمسا وهي عبارة عن مجموعة شركات توظيف عمالة .
والإبن الثاني “سيف محمود سيد محمد” أحمد من مواليد 5 / 4 /1994 النمسا وهو مسئول عن كل الأعمال في مصر .
والثالثة “رنا محمود سيد محمد أحمد” وهي الإبنة الصغرى من مواليد 15 / 1 /2002 طالبة بالفرقة الأولى كلية إدارة الأعمال بالنمسا ..
* الدروس المستفادة من تجربة محمود الأسيوطي.
هناك بعض النماذج الناجحة الآن في مصر سواء كانت سياسية أو إقتصادية أو رياضية مثل الحاج محمود الأسيوطي يجب تسليط الضوء عليها إعلامياً بل ودراستها ، بهدف التعلم منها لكي تكون مثال وقدوة لمن يتعرف عليها عن قرب ولا أكون مبالغاً إذا قلت ” بملئ في ” أن هذه النماذج يجب تدريسها في كليات الإقتصاد والتجارة وغيرها من المراحل الدراسية المختلفة وجعلها كمادة أساسية لتكون دافع قوي للأجيال القادمة بأن ليس هناك شييء اسمه المستحيل وأن الإرادة والتحدي والصبر والإخلاص يجعلوا منك حجر زاوية في مبنى كبير . ومحمود السيد محمد أحمد “الأسيوطي” من هذه النماذج المصرية العصامية والمشرفة
الذين ضربوا أروع الأمثلة في كيفية إدارة الوقت والمال ، وقد نجح بجدارة وإستحقاق في أن يجد لنفسه مكانة في القمة وسط الكبار بالجهد والعرق والصبر والكفاح . فقد وضع بذرة لشجرة من النجاح وصبر عليها ورعاها حتى كبرت وأثمرت وعاد خيرها على أهله وبلده ، حتى نجح في أن يصبح حديث المصريين وخاصةً الرياضيين .
وللحديث بقية عن علامات مضيئة على الأرض المصرية .. ( هذا التقرير سيتم ترجمته لعدة لغات ) •

زر الذهاب إلى الأعلى