تاريخ وذكريات

حياة بعد الحياة! ….. بقلم: د. وسيم السيسي

متابعة عادل شلبي سألتنى الأستاذة رانيا كريم: هل هناك عالم آخر تذهب إليه الأرواح؟ وأرد عليها بالآتى:
كتب ول ديورانت فى موسوعته قصة الحضارة.. الجزء الأول تحت عنوان نشأة الدين: إن الإنسان البدائى منذ حوالى عشرين ألف سنة اعتقد أن الذى يموت يذهب إلى عالم آخر، ذلك لأنه كان يرى المتوفى فى أحلامه، قارن بين الميت والحى فلم يجد فرقًَا إلا التنفس، فأطلق اسمًا على هذا التنفس: هواء! ريح! روح! Spirit وهى من Respiration أى روح من تنفس! ونحن حتى الآن حين يتوقف التنفس نقول: روحه طلعت! خاف الإنسان البدائى من الروح وزيارتها له فى الأحلام حتى إنه كان يخرج بالمتوفى من فتحة بجدار مسكنه وليس من الباب، ويلف بالمتوفى ثلاث مرات حتى يضلل الروح عن مكانه، ثم يذهب لدفنه بعيدًا عن داره، ويحيط مقبرته بنباتات شائكة، ومن هنا زراعة الصبار حول المقابر حتى الآن.
جاءت الحضارة المصرية آمنت بالبعث، فوضعت أرقى قانون أخلاقى عرفته البشرية حتى الآن، احترمت الحياة فى النبات والحيوان والإنسان، وكان المصرى أو المصرية يقر امام محكمة العدل الإلهية: ٤٢ اعترافًا إنكاريًّا لكل ما هو شرير منها: لم أكن سببًا فى دموع إنسان أو شقاء حيوان، كما لم أعذب نباتًا بأن نسيت أن أسقيه ماءً. حين كنت فى إنجلترا كانت تأتى حالات للمستشفى يطلق عليها B.I.D وهى الحروف الأولى لثلاث كلمات: أى أحضر ميتًا! Brought In Dead وكانت الإسعافات والصدمات الكهربائية فى الرعاية المركزة، كانت الغالبية لا ترتد لها الحياة، وقلة قليلة تعود لها الحياة.
جاء دكتور ريموند مودى وطلب من المستشفيات أسماء من عادوا إلى الحياة بعد أن كانوا موتى! وأرسل لهؤلاء الأحياء مجموعة من الأسئلة، رد عليه حوالى مائتين، جمع ردودهم فى كتاب بعنوان: Life After Life أى حياة بعد الحياة، أجمعوا على أنهم مروا على ثلاث مراحل:
١- الطفو فى الغرفة أو الحديقة أو الفضاء العريض.
٢- نفق أسود فى نهايته نور.
٣- الوصول إلى كائن نورانى أحاطهم بدفقات من الحب.
كما أجمعوا على أن أحلى وأجمل لحظات حياتهم هى تلك المراحل الثلاث، وينتظرون عودتها لأنهم تأكدوا أن هناك حياة بعد هذه الحياة، قال أحدهم: عرفت أن هذا الكائن النورانى هو المسيح. ولكنى آخذ على دكتور مودى أنه لم يكن موضوعيًّا؟! فظاهرة الطفو يحس بها كثيرون عند التخدير العمومى، كذلك ظاهرة النفق الأسود موجودة فى نوع من البنج اسمه كتلار أو كتامين سلفات، أما الكائن النورانى فربما ناجم عن حرمان المخ من الأكسجين، كذلك لم يسأل مودى المسلم والبوذى عن الكائن النورانى، لربما يقول له المسلم: الكعبة، والبوذى: بوذا، والمسيحى: العذراء، إذن فهى رؤية شخصية وليست موضوعية.
أشكر لك سؤالك يا رانيا، تتقدم الشعوب بمثل هذه الأسئلة، كانت الخلافة فى العصر العباسى فى أوج قوتها، وكانت الحرية الفكرية الدينية فى أروع تجلياتها، حتى إن المتنبى يقول:
فما هذه الأرواح إلا من جوه
وما هذه الأجساد إلا من تربه!
وأبوالعلاء يقول: وبصير الأقوام مثلى أعمى
هلم فى حندس نتصادم!
ولأن الدولة قوية تكرم هؤلاء الفلاسفة حتى إن الراوندى زعيم الإلحاد فى الدولة العباسية يموت على فراشه ولا يفكر أحد فى إيذائه! والتاريخ يسجل هذا الموقف الحضارى للعصر العباسى الأول. أخيرًا يا رانيا أبحرت بك فى بحر الظلمات، وما أعتقد أنى أوصلتك لشاطئ الراحة، عليك بالبحث والقراءة لأن المعرفة قوة.

زر الذهاب إلى الأعلى