
فلسطين ليست قضية العرب جميعًا… بل مسؤولية الفلسطينيين أولًا
بقلم :الخبير الأمني اللواء خيرت شكري.
متابعة عادل شلبي
في خضمّ ما نشهده اليوم من مناقشات، واتهامات، وشعارات تُطلق من خلف الشاشات، وتحت الأغطية الدافئة، لا بد من الوقوف لحظة صدق مع النفس، ومع الآخرين، لنفهم حدود الأدوار، ومسؤوليات كل طرف، خاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية التي لطالما رُفعت كشعار جامع، بينما على الأرض الواقع يُروى قصة مختلفة تمامًا.
يتحدث البعض من غرفهم، أو عبر منشوراتهم المتحمسة، ويُحمّلون شعوبًا بعينها ـ وعلى رأسها مصر ـ مسؤولية تحرير فلسطين، ويطالبونهم بـ”التحرك الفوري”، بل وبالحرب، دون أن يفكروا في الثمن أو حتى منطقية هذا الطرح. ويُقال دائمًا إن فلسطين “قضية العرب جميعًا”، لكن، للأسف، هذا الشعار الجميل لا يصمد أمام الحقائق التاريخية، ولا أمام الواقع السياسي القائم.
إن التاريخ لا يُكذب ، فقد شاركت مصر في كل الحروب الكبرى من أجل فلسطين، منذ 1948، مرورًا بـ1956 و1967، وصولًا إلى 1973. ودفعت آلاف الشهداء، وخسرت أراضٍ، وتكبدت أزمات اقتصادية طاحنة، وما زالت حتى اليوم تتحمل تبعات هذه المعارك. لكن ماذا حدث بعد كل ذلك؟ هل تغير شيء على الأرض؟ هل تغيرت المواقف الفلسطينية الداخلية؟ هل توحّد الصف الفلسطيني؟ بل، هل قُدِّر لمصر ما قدمته بالفعل؟
الجواب واضح ومؤلم: لا شكر، ولا اعتراف، بل في كثير من الأحيان هجوم واتهام بالتقصير أو التخاذل، ورفع شعارات تطالب بتكرار نفس الأخطاء، دون أن يقدم المطالبون شيئًا بأنفسهم سوى الكلام.
القضية الفلسطينية، بكل تعقيداتها وعدالتها، تظل ـ أولًا وأخيرًا ـ مسؤولية الفلسطينيين أنفسهم. من حقهم أن يقرروا مصيرهم، ومن واجبهم أن يحملوا راية كفاحهم، بمقاومتهم، بوحدتهم، بقراراتهم الحرة. أما دور الدول العربية، ومنها مصر، فهو في الدعم السياسي والدبلوماسي، والمساعدات الإنسانية والمالية، وكل ما يمكن تقديمه ضمن حدود السيادة والمصالح الوطنية.
لكن أن يُطلب من دولة أن تزجّ بجيوشها، وتعيد فتح جبهات حرب، وتدفع من دماء أبنائها، في معارك لا يملك أصحاب القضية فيها الحد الأدنى من التوافق الداخلي؟ فهذا طلب ليس فقط غير عادل، بل غير منطقي، بل وغير وطني أيضًا.
الحقيقة التي علينا تأكيدها ، أن مصر أنهت دورها العسكري في 1973 ، حين خاضت حرب أكتوبر 1973، لم تكن تحارب فقط من أجل استعادة أرضها، بل أرسلت رسالة واضحة بأن عهد الانكسار قد انتهى. ومنذ ذلك اليوم، أعادت مصر بناء نفسها، واقتصادها، ومؤسساتها، واستقلال قرارها الوطني. وما بعد 1973 ليس كما قبله. لا حرب دون هدف، ولا صراع مجاني.
ولذلك، فإن دعوات الحرب التي تُطلق من خارج الميدان، وبلا خطة، ولا استعداد، ولا حتى رغبة حقيقية في التضحية، هي دعوات عبثية، ويدفع ثمنها فقط من يستجيب لها بصدق… وهؤلاء قلّة نادرة الآن.
رسالتي الأخيرة لكل من يجاهد من تحت ” اللحاف ” لا تُطلق رصاصًا من ورق ، فالذي لا يملك إلا صوته، فليستخدمه في البناء لا في التوبيخ. والذي لا يقدم إلا التوجيهات من خلف الشاشات، فليُدرك أن الدم ليس رخيصًا، وأن الأوطان لا تُدار بالشعارات. كفى لومًا لمصر، وكفى مطالبتها بأن تعيد فتح جراحها القديمة من أجل قضية، اختار أصحابها أن يقفوا في منتصف الطريق، أو أن يختلفوا فيما بينهم أكثر مما يختلفون مع عدوهم.
فلسطين قضية عادلة، نعم، لكن تحريرها يبدأ من الداخل الفلسطيني، لا من حدود الآخرين.