دراسة من ستانفورد تكشف بأن الدماغ البشري ينشأ من عضوين منفصلين لا عضو واحد

الدماغ البشري ليس العضو الأحادي الذي طالما اعتقده العلماء. دراسة نُشرت يوم الجمعة في مجلة Nature Neuroscience، بقيادة فريق بحثي من كلية الطب في ستانفورد، تكشف أن الدماغ ينشأ من مجموعتين منفصلتين من الخلايا السلفية، مما يُقلب إجماعاً علمياً راسخاً منذ عقود كان يرى أن سلفاً واحداً هو الذي يُفرز العضو بأكمله.
نظامان، عضو واحد
كان النموذج السائد في دراسة تطور الدماغ يقول إن جميع مناطق الدماغ تنبثق من خلية سلفية واحدة مشتركة في مرحلة مبكرة من حياة الجنين. غير أن البحث الجديد يهدم هذه الفكرة جذريًا. إذ عمل الفريق على أجنة الفئران خلال مرحلة التشكّل الأجنّي — وهي المرحلة التي تبدأ فيها ملامح الجسم بالتشكّل لأول مرة — وتمكّن من تحديد مجموعتين من الخلايا السلفية مستقلتين تمامًا إحداهما عن الأخرى. الأولى تُعبّر عن جين يُسمى Otx2، وهي مُقدَّر لها أن تتحول إلى الدماغ الأمامي والأوسط اللذين يتوليان وظائف اللغة والوعي والتفكير المجرد. أما الثانية، فتُعبّر عن جين Gbx2، وتُشكّل الدماغ الخلفي المسؤول عن التحكم في التنفس ونبضات القلب والنوم والبلع.
لا تتداخل المجموعتان أبدًا، كما يختلف تغليف حمضهما النووي — المعروف بالكروماتين — اختلافًا جوهريًا، مما يُثبّت كل نوع خلوي في مساره التطوري الخاص. وقال كايل لو، الأستاذ المشارك في بيولوجيا التطور بجامعة ستانفورد والمشرف الأول على الدراسة: “لقد أثبتنا للمرة الأولى أن الجزء الأمامي من الدماغ ينشأ من خلية سلفية مختلفة كليًا عن تلك التي ينشأ منها الجزء الخلفي”.
وقد أكد الباحثون أن هذا النمط لا يقتصر على الفئران. فقد رصدوا البنية المزدوجة ذاتها في الدجاج والأسماك المخططة وقردة المكاك وديدان الطندب — وهي أنواع تجمعها سلالة مشتركة يُقدَّر أن آخر أجدادها المشتركة عاش قبل نحو 550 مليون سنة. وأضاف لو: “يُشير بحثنا إلى أن التطور أخذ نظامين عصبيين قائمين ودفعهما نحو التقارب المكاني”.
من الاكتشاف إلى أبحاث الأمراض
يحلّ هذا الاكتشاف لغزاً مختبرياً طال انتظاره. فقد عانى العلماء لعقود من صعوبة زراعة خلايا عصبية للدماغ الخلفي في المختبر، ويُرجَّح أن ذلك يعود إلى اعتمادهم على خلايا سلفية مُعدَّة أصلاً لتكوين الدماغ الأمامي. وقال المؤلف الأول المشارك ريان جوخاي: “المحاولات السابقة لإنتاج خلايا عصبية للدماغ الخلفي اعتمدت على محاولة إعادة توجيه الخلايا السلفية للدماغ الأمامي والمتوسط نحو خلايا الدماغ الخلفي، وهو ما تُثبت دراستنا استحالته”.
وبامتلاك المادة الأولية الصحيحة، نجح الفريق للمرة الأولى في توليد خلايا عصبية حركية بشرية وظيفية للدماغ الخلفي انطلاقاً من خلايا جذعية متعددة القدرات. وقد أبدت الخلايا المُزرَّعة في المختبر نشاطاً كهربائياً وبروتينات مميزة لمناطق الدماغ الخلفي التي تتحكم في عضلات الوجه والبلع. ويفتح هذا الإنجاز آفاقاً جديدة لدراسة الأمراض التي تُدمِّر خلايا الدماغ الخلفي، من بينها ضمور العضلات الشوكي — الذي يُعدّ من الأسباب الجينية الرئيسية للوفاة لدى الأطفال دون سن الأولى — والتصلب الجانبي الضموري.
وأضاف جوخاي: “أصبح لدينا الآن نموذج يُمكِّننا من فهم هذه الأمراض المُدمِّرة بصورة أعمق، والسعي نحو علاجات تجديدية لها. إنه أفق جديد وبالغ الإثارة في مجال أبحاث الدماغ.”











