الساحل الشمالي: من مصيف موسمي إلى كنز سياحي على مدار العام

بقلم لواء دكتور / سمير فرج
متابعة / عادل شلبي
بعد عودتي من إجازة قصيرة قضيتها في الساحل الشمالي المصري، وجدت نفسي أتأمل هذه النعمة التي وهبها الله لمصر، وتساءلت: هل ندرك حقًا قيمة ما نملك؟
سبق لي أن عملت ملحقًا عسكريًا لمصر في تركيا لمدة ٣ سنوات. وخلال تلك الفترة تابعت عن قرب كيف تفخر تركيا بساحل أنطاليا الممتد لنحو ٤٠٠ كيلومتر على البحر المتوسط، والذي يُعد أحد أهم المقاصد السياحية في العالم. فقبل جائحة كورونا كان يحقق عائدًا سنويًا يقارب ١٨ مليار دولار، بفضل مدنه ومنتجعاته الشهيرة مثل أنطاليا ومارماريس وبودروم وغيرها.
ورغم المستوى المتميز للخدمات هناك، فإن هناك حقيقة قد لا يعرفها كثيرون : معظم شواطئ ساحل أنطاليا ذات طبيعة صخرية، ومياهها داكنة اللون. ولذلك يعتمد معظم روادها على حمامات السباحة أكثر من اعتمادهم على البحر نفسه. ولتعويض هذا النقص، استثمرت تركيا في جودة الخدمات السياحية. فهناك منتجعات مخصصة لسياح دول الإسكندنافية، يعمل بها أفراد يجيدون لغات تلك الدول، ويقدمون خدمات تتناسب مع ثقافة واحتياجات كل جنسية. وهو ما جعل التجربة السياحية متكاملة رغم افتقادها لميزة الشواطئ الرملية.
وهنا يبرز السؤال : ماذا نملك نحن؟
نحن نملك ما هو أكثر من ذلك بكثير. نملك مياهًا فيروزية صافية، ورمالًا بيضاء ناعمة، وشمسًا مشرقة معظم أيام العام. وهي مقومات طبيعية لا تتوافر مجتمعة في كثير من دول البحر المتوسط. والساحل الشمالي المصري، بشهادة كثير من زواره من مختلف الجنسيات، يُعد من أجمل شواطئ العالم.
ولكن، وللأسف، شعرت بالحزن هذا العام وأنا أرى هذا الساحل الفريد لا يُستغل إلا لأسابيع قليلة خلال فصل الصيف، ثم يتحول بقية العام إلى مدن وقرى سياحية مغلقة. أشبه بكتل خرسانية صامتة لا تدب فيها الحياة إلا مع بداية الموسم التالي.
إن هذا الواقع يدفعنا إلى إعادة التفكير في فلسفة الاستثمار السياحي بالساحل الشمالي.
أولًا : لماذا يظل النشاط السياحي محصورًا في ٣ أو ٤ أشهر فقط، بينما يمكن أن يمتد على مدار العام؟
ثانيا : لماذا لا نستفيد من المناخ المعتدل وأشعة الشمس التي تتمتع بها مصر في جذب السياحة الأوروبية خلال أشهر الخريف والشتاء، كما تفعل العديد من الدول المنافسة؟
إن تطوير الساحل الشمالي لا ينبغي أن يقتصر على إنشاء القرى السياحية. بل يجب أن يمتد إلى إقامة المزيد من الفنادق والمنتجعات العالمية، وتوفير الأنشطة الترفيهية والمؤتمرات والفعاليات الرياضية والثقافية. بما يضمن استمرار الحركة السياحية طوال العام، ويحول الساحل الشمالي إلى مقصد دولي دائم، لا إلى وجهة موسمية فقط.
والحقيقة أن البنية الأساسية في الساحل الشمالي أصبحت مكتملة إلى حد كبير بعد الطفرة غير المسبوقة التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة. فقد أصبحت تضم عددًا من المطارات مثل: مطار العلمين الدولي، ومطار مرسى مطروح، ومطار سيدي براني. بما يسهل استقبال السائحين من مختلف دول العالم.
كما أُنشئت شبكة حديثة من الطرق والمحاور، وأصبح يضم شبكة واسعة من المطاعم العالمية، والمراكز التجارية، وأماكن الترفيه، والحفلات والفعاليات الفنية، إلى جانب المعالم الثقافية وعلى رأسها متحف العلمين العسكري. كل ذلك يؤهل المنطقة لتكون مقصدًا سياحيًا متكاملًا طوال العام، وليس خلال موسم الصيف فقط.
لذلك نحن نمتلك ثروة سياحية حقيقية، ليس فقط في جمال الطبيعة، وإنما في الموقع والمناخ والإمكانات. ويبقى التحدي الحقي هو حُسن استغلال هذه المقومات، حتى يصبح الساحل الشمالي أحد أكبر مصادر الدخل القومي، كما هو الحال في أشهر المنتجعات العالمية، وليحقق لمصر عائدًا اقتصاديًا يليق بما تملكه من كنوز طبيعية لا تتكرر كثيرًا في العالم.
وخلال هذه الإجازة التقيت بإحدى العائلات العربية القادمة من إحدى دول الخليج. ويبدو أن رب الأسرة تعرف إليّ، حيث إنني أقدم بعض التحليلات عن الأحداث الجارية في المنطقة عبر شاشات التليفزيونات الخليجية. فبادرني قائلًا :
«يا أخ سمير، تصوّر أنني لم أتمكن من العثور على غرفتين في أحد الفنادق لي ولأولادي. فجميع فنادق المنطقة محجوزة حتى شهر أكتوبر المقبل. يا أخ سمير، لديكم أجمل شاطئ في العالم. لقد أمضينا خلال السنوات السابقة عطلات الصيف في إسبانيا وفرنسا واليونان، وأقسم لك أنه لا توجد شواطئ أجمل من الشواطئ المصرية في الساحل الشمالي، فضلًا عن المعاملة الطيبة من الشعب المصري. صحيح أنني استأجرت قصرًا في إحدى القرى السياحية ذات مستوى ٧ نجوم، ورغم أن سعره أعلى من تكلفة الإقامة في الفندق، فإننا نفضل الإقامة في أحد الفنادق حتى ترتاح الزوجة من مسؤولية تجهيز الطعام والتنظيف وغير ذلك من الأعباء».
تركني الرجل وظللت أفكر طويلًا في حديثه، وأدركت أن له كل الحق فيما قاله. فنحن بالفعل لا نستفيد الاستفادة الكاملة من أجمل شواطئ العالم، وهي شواطئ الساحل الشمالي المصري، التي يمكن أن تدر على خزينة الدولة مليارات الدولارات من عائدات السياحة.
وهنا يفرض السؤال نفسه : لماذا لا يتم إنشاء المزيد من الفنادق والمنتجعات السياحية المتكاملة، التي يمكن أن تعمل ليس خلال فصل الصيف فقط، وإنما طوال العام، كما يحدث في ساحل أنطاليا في تركيا؟
إن لدينا ثروة سياحية هائلة يجب أن نحسن استغلالها. إنها سياحة الساحل الشمالي المصري.
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.










