ليلة دامية تحت الأنقاض ” قصة قصيرة”

بقلمي/شيماء حجازي
لم يكن يوما عاديا فأنا مازلت أتذكر تلك الأيام العصيبة التي مررت بها وعلى إثرها لقد فقدت إحدى ذراعي !! وبحكم عملي كطبيب جراح ليس بإمكاني ممارسة عملي مرة ثانية ، وأصبحت ذو إعاقة لم أخلق بها ولكن بسبب الإعتداء الغاشم الصهيوني ، فقد قضى على كل شيء بمدينتي الساحرة غزة البهية؟! ، في يوم من الأيام استيقظت على صوت قصف قوى يضرب الأحياء التى تقربنا ، ؟! وعند فررنا من الموت الذي كان يداهمنا في كل لحظة منذ أن انهالت علينا القذائف والقنابل الفسفورية تتساقط علينا نارا وسعيرا ؟! فقد سقط المبنى فوق رؤوسنا ، لا أرى إلا رمادا ودخانا أسودا كأشباح تحاصر مدينتا ، تضيق أنفاسي بشهيقها وذفيرها وأشعر بألم في إحدي ذراعي ، وثقل كبير عليها وليس بإمكاني أن أرى ما حدث لى ، ظلام دامس يصعب على رؤية الأشياء من حولى ؟! ولكنى أسمع ضجيجا بالخارج أشعرني أنني مازلت على قيد الحياة ، ولكنني لا أستطيع أن أتحرك من مكاني ، أرمق بعيني لأرى ثقبا يتخلله بصيص نورا ، بدأت أنادي بصوت مرتفعا تارة أبكي ،وتارة أخرى أصرخ ولكن لن يسمعني أحدا ؟! مرت بي ساعات تحت الأنقاض ولم يعثر على أحدا ؟! حتى ظنت أنها النهاية ،؟! واستسلمت ليأسي وقهري ؟! لقد سقط على ذراعي عمودا خرساني يؤلمني كثيرا ، لكن صدمتي الكبرى حين حل الظلام علي ليزداد ظلمة ووحشه ، وأنا تحت الأنقاض وحيدا أتألم ، تذكرت حينها عائلتي وأتساءل بنفسي هل مازلوا على قيد الحياة أم أصبحوا شهداء الحرب المسعرة ؟! دقائق تمر بي، ك ساعات وساعات تمر بي، ك سنوات ؟! كأني بمقبرة دفنت بها حيا لأواجه مصيري وقدري؟! الدماء تغرقني ومازالت ذراعي تنزف بغزارة إلى بزوغ الصباح ، أشعر بالظمأ الشديد ؟! حتي أشرقت الشمس بنورها وشعاعها ، لعلها تكون سببا في نجاتي وبدأ شعاعها يضرب الثقب بشدة يعيد لي حياتي ، لم تر عيني النوم في هذه الليلة الموعودة ؟! أسمع قدم تقترب وأصوات لأناس من فرق الإنقاذ المدني ، بدأت أصرخ وأنادي لكي يساعدني أحدا ، وكانت المفاجأة لي ولقلبي الذى تملك منه اليأس والألم ؟! وبعد طول انتظار فعثر علي بعد معاناة مررت بها ، ولكنها لم تكن المعاناة الأولى ، بدأ فريق الإنقاذ بإخراجي وانتشالي من تحت العمود الخرساني ؟! والدماء تزيد حتى تم نقلي إلى إحدى المشافي بمدينتي ، وذاد ألم ذراعي حتي أخبرني طبيبا جراح مثلي بالمشفى أنه سوف يتم بتر ذراعي ، ولا يوجد حل غير ذلك يبقيني على قيد الحياة سوا ذلك ؟! أخذتني الدهشة والصدمة ، فأنا كطبيب جراح أعتمد اعتمادا كليا على يدي في عملى وإجراء العمليات الجراحية الصعبة ، كنت متميزا جدا بعملي ومتفوقا بقسم الجراحه العامة ، فكيف لعقلي أن يتقبل هذا القدر الذي سيقضي على حياتي ، وعدم تقبلي فكرة أنني لم أمارس عملي مرة ثانية كأنها صاعقة صعقتني ؟! فاغمي علي وقتها حين علمي بهذا الخبر المفجع لي ؟! لقد اضطرا الطبيب ببتر ذراعي الأيمن ، وبعد أن تمت العملية ، أفيق من غيبوبتي على بكاء أمي وجهها مليئا بالدماء ؟!بعد أن كان يعلو وجهها النور والأمان ، رأيت بكاؤها وفزعها ، وتبكي على صدري ؟! لم يعد بإستطاعتي ، أن أجفف لها دمعها واحتضانها بعد فقد ذراعي ؟! ظلت تبكي و أنا قلبي يحترق بداخلي ؟! وسألتها أين أبي وأخي ؟! صمتت قليلا وقالت لي أنهم استشهدوا أثناء قصفنا !! تبكي عيني رغما عني من هول ما حدث لنا ، وهذا ما خلفته الحرب علينا من عدو محتل ، متعطشا لدماء الأبرياء وإبادة شعب أعزل يدافع عن وطنه وأرضه
وبعد أيام من مكوثي بالمشفى ، كنت أرى أطفالا يتألمون ويصرخون تغرقهم دمائهم ، هذا ما جعلني أكثر استحياءا من ألمي وجزعي ، وأمهات ثكالى تصرخ على أبناءها ، جراح هنا وهناك ، كنت أود أن أصطف ضمن فريق الأطباء لمساعدة الجرحى والمرضى في هذه الحرب الشرسة من عدونا ، ولكني أصبحت عاجزا مدى الحياة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *