ثقافة

“هجّير” القصة التي لم تكتمل … كتب الدكتور/ عبدالعزيز آدم

صدر حديثاً للكتابة الصاعدة المتميزة/ مريم أحمد المجموعة القصصية هجّير، وقد أخترت من هذه المجموعة قصة (هجّير) التي اختارتها الكاتبة عنواناً مميزاً لتلك المجموعة القصصية.
لقد تميزت الكاتبة في هذه القصة تحديداً بسرد الأحداث كعادتها بإيجاز وبراعة تأخذك معها إلى عالمها الإبداعي الخاص في فضول لمعرفة المزيد مع كل حدث أو رسالة تحتويها سطور تلك القصة. رسائل كثيرة تسردها بقوة عبر المعاناة المتكررة والاحداث المتسلسلة جمعت فيها بين الألم والسكينة معاً، كيف ذلك؟
إنها معاناة فقدان الأمان من أقرب الناس وعقوق الآباء وتحميل أبنائهم ذنب لم يرتكبوه نتج عنه التخبط بين ألم الوحدة والفقد ولكليهما أسباب لا ذنب فيها إلا للطرف الضعيف الذي يكابد ألم الحياة وقسوة التحديات والبحث عن نجاح بعيد من محض فرص ضئيلة تكاد تكون عديمة الوجود. لكنه الإصرار الذي تجسد في تمسك بطلة القصة بالحياة والثورة على تلك التحديات الموجعة ورسم رحلة أمل في مخيلتها صاغتها في علاقتها بأخيها الصغير الذي لم يكتمل وعيه بعد، لكنها رأت في وجوده البريء العوض وفي حضنه الأمان المفتقد. ليس ذلك فحسب ولكنها ظلت تعيد أكتشاف نفسها ولم يهزمها أبداً تلك الطاقات السلبية المصدرة من أقرب الناس إليها، ولم يثنيها محاولات قتل الإبداع والتميز بداخلها رغم محاولة إقناعهم لها أنها لا تملك شيئاً غير الدمامة والشؤم. لقد كان وقع ذلك حقاً في غاية الألم بداخلها وهي تدفع ثمن إخفاقات وتقلبات وآلام لا ذنب لها فيها غير أنها وجدت في المكان الخاطيء. ولكن متى كان لنا حرية الاختيار في الوجود في حياة صحية نتمناها، إنها التحديات التي لابد من مواجهتها مهما حالنا بجهد تلافيها والعزوف عنها.
إن هجّير لم تستسلم أبداً وخلقت من أقل الفرص دروباً عديدة للنجاح، لتكون تلك الرسالة السامية التي أرادت لها الكاتبة أن تكون عنونا مختلفاً لتلك القصة، التي ينم اسمها الأساسي عن الهجر والفرقة التي بدأت بوفاة والدتها عند مولدها واستمرت بتشاؤم والدها من وجودها، لكن الأحداث تدرجت في سلاسة عجيبة لتغير لنا تلك الصورة وتنهي هذه المعاناة بمفاجأة سعيدة، لتكون النهاية هي بداية لقصة لم تكتمل بعد، لعل الكاتبة أرادت لنا أن نكلمها كل بطريقته، ولكن كل الأحداث التي سنتخيلها سوف تنتهي بنا إلى نهاية واحدة حتمية ألا وهي “أنصار هجّير”. نعم إنه الانتصار على الفرقة والتنمر والنبذ والوحدة. وإن كان بداية نجاح هجّير كان بمثابة صدفة للأهل ومعرفة بغير قصد لما تملكه من وسائل النجاح والمضي قدماً بثبات في الحياة، لكن بقية القصة لن تحمل أياً من هذه الصدف لأنها ستكتمل عن إرادة لن توقفها التحديات مهما صعبت.
إنها القصة التي لم تكمل والأحداث التي يتوق العقل أن يكملها كل بطريقته ولكنها حتماً ستأخذنا إلى الأمل التي افتقدته هجّير وإلى النهاية السعيدة التي حلمت بها، محققة ذاتها بنظرة شموخ وانفراجة أمل، لا عن شماتة وكبر ولكنها عن ثقة في أن الله كان ولا يزال معها وأنه لن يضيعها ولن يضيع أجر من أحسن العمل والسعي وراء حلمه.
خالص التحية للكاتبة المتميز/ مريم أحمد وأشكرها على تلك الحالة من الألم والسلام النفسي وإعمال الخيال التي وهبتنا إيها ونحن نرحل بشغف عبر سطور قصة “هجّير” التي هي عنوان لعديد من القصص التي قد لا تتشابه في التفاصيل ولكنها حتماً تتشابه في الفحوى والمضمون.
فكم من “هجّير” ومن يعانون معاناة “هجّير” في مجتمعنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *