قرار فورد تقليص استثماراتها في السيارات الكهربائية
يكشف تصدعاً أوسع في نموذج التحول عالمياً، يمتد أثره إلى الشرق الأوسط
فورد تخفف السرعة في طريق الكهرباء وتفتح باب مراجعة “الحلم الأخضر”
المصدر موقع اريبيان بزنس- الأربعاء 31 ديسمبر 2025
.
إثر هبوط مبيعات سياراتها الكهربائية في السوق الأميركي بنسبة 61% خلال نوفمبر 2025، أعلنت شركة فورد في منتصف ديسمبر شطب أصول بقيمة 19.5 مليار دولار مرتبطة باستثماراتها في المركبات الكهربائية، في خطوة تعكس تحولاً أوسع في مسار صناعة السيارات على مستوى العالم.
وبحسب تقارير نشرتها وول ستريت جورنال ورويترز، فإن هذه الخطوة تمثّل أكبر اعتراف حتى الآن بأن الطموحات الكهربائية التي صيغت قبل سنوات تصطدم بواقع اقتصادي وتنظيمي أكثر تعقيداً، وبأن المسألة لا تقتصر على فورد وحدها بل تطال الصناعة بأكملها.
ومن مقرها في ديربورن بولاية ميشيغن، كشفت فورد أن الشطب توزع على ثلاثة بنود رئيسية: 8.5 مليار دولار لإلغاء طرازات كهربائية قيد التطوير، نحو 6 مليارات دولار لإنهاء مشروع بطاريات مشترك مع “إس كيه أون”، وحوالي 5 مليارات دولار لتكاليف تطوير وإعادة هيكلة أوسع لأعمال السيارات الكهربائية.
لم تأتِ خطوة فورد من فراغ. فبحسب رويترز وبي بي سي، تزامنت مع تحول سياسي وتنظيمي في الولايات المتحدة ألغى الحافز الضريبي للمركبات الكهربائية وقلّص قيود الانبعاثات، ما أضعف الطلب. وظهر الأثر بوضوح في نوفمبر، مع تراجع مبيعات فورد الكهربائية بنحو 61% وتباطؤ أوسع في السوق الأميركي منذ انتهاء الحافز.
وفي تصريحات لرويترز، قال الرئيس التنفيذي لفورد جيم فارلي إن “تغير السوق في الأشهر الأخيرة أجبرنا على اتخاذ قرارات صعبة”، مؤكداً أن الشركة لا تنوي التخلي عن السيارات الكهربائية، بل إعادة توجيه استثماراتها نحو مزيج أكثر واقعية. ووفق توجيهاتها للمستثمرين، تستهدف فورد رفع حصة السيارات الهجينة والسيارات الكهربائية ممتدة المدى (EREV) والكهربائية إلى نحو 50% من إنتاجها العالمي بحلول 2030، مقارنة بنحو 17% حالياً.
كيف قرأت الأسواق والمستثمرون قرار فورد؟
المفارقة أن هذا الشطب الهائل لم ينعكس انهياراً فورياً في النتائج المالية قصيرة الأجل. فبالتزامن مع الإعلان، رفعت فورد توقعاتها للأرباح التشغيلية المعدلة لعام 2025 إلى نحو 7 مليارات دولار، بعد أن كان نطاق التوجيه السابق بين 6 و 6.5 مليارات دولار، ليستقر ضمن نطاق جديد يتراوح بين 6.5 و 7.5 مليارات دولار، وفق بيانات الشركة وتقارير ياهو فاينانس وتيب رانكس.
ويرى محللون لدى UBS – أحد أكبر البنوك الاستثمارية العالمية – وياهو فاينانس أن هذه الخطوة، رغم اعترافها بضخامة أخطاء سابقة في تسعير المخاطر، تحمي ميزانية فورد على المدى المتوسط وتحرر رأس المال للقطاعات الأعلى ربحية، وفي مقدمتها قطاع “فورد برو” للشاحنات والمركبات التجارية، والسيارات الهجينة، والخدمات والبرمجيات الرقمية المرتبطة بالاتصال والاشتراكات.
وفي الوقت نفسه، تفرض هذه الاستدارة ضغوطاً غير مباشرة على منافسين تقليديين، مثل جنرال موتورز وستيلانتيس، الذين يواجهون معضلة مماثلة في ظل تباين السياسات المناخية وأطر الدعم الحكومي بين الأسواق. فشطب فورد لاستثمارات ضخمة في المسار الكهربائي لا يعكس تراجعاً بقدر ما يكشف تصدعاً أوسع في نموذج التحول الكهربائي العالمي، يمتد أثره إلى أسواق الشرق الأوسط.
في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا يتركز السؤال على فورد وحدها، بل على توقيت التحول الكهربائي وحجمه ووتيرة تطبيقه. فرغم الطموحات المناخية المرتفعة في دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات والسعودية، تبقى محدودية البنية التحتية للشحن، وانتشار الشاحنات الكبيرة، وأنماط الاستخدام المعتمدة على الرحلات الطويلة عوامل تمنح السيارات الهجينة أفضلية عملية على المدى القريب، مقارنة بالسيارات الكهربائية الكاملة.
بيد أن هذا التغيير ربما يساعد في إعادة تموضع فورد في أسواق المنطقة نحو الأفضل، بدلاً من إضعاف حضورها. فقد أعلنت الشركة عبر مركزها الإعلامي في الشرق الأوسط في أكتوبر 2025 عن تعزيز وجودها في السعودية ودول الخليج، من خلال تقديم طراز تيريتوري هايبرد وإطلاق الجيل الجديد من إكسبيديشن في تجربة قيادة حصرية بالرياض، مع الإعداد لطرح موستانغ ماك-إي الكهربائية بالكامل لاحقاً في المنطقة، في مسار قالت الشركة إنه منسجم مع رؤية السعودية 2030 وطموحات الاستدامة الإقليمية.
ويركّز هذا التوجه على الهجين بوصفه خياراً عملياً لشريحة واسعة من المستخدمين في الخليج والمشرق، ممن يسعون إلى خفض استهلاك الوقود، دون القلق من مدى البطارية أو محدودية محطات الشحن على الطرق الطويلة.
لكن الصورة ليست وردية بالكامل. فبحسب تحليلات رويترز وتقارير نشرتها وول ستريت جورنال وفايننشال بوست، يشكّل تراجع فورد عن جزء كبير من خططها الكهربائية إشارة تحذير لصنّاع السياسات في المنطقة من مخاطر الاعتماد المفرط على مسارات التحول في الولايات المتحدة وأوروبا، دون قراءة محليّة دقيقة لتفضيلات المستهلك وكلفة التمويل وجاهزية البنى التحتية.
وفي الوقت نفسه، قد تستغل شركات آسيوية، وخصوصاً الصينية والكورية، هذا التردد الغربي لتعزيز حضورها في أسواق مثل الإمارات والسعودية ومصر والمغرب، عبر سيارات كهربائية أقل كلفة وأكثر مرونة سعرياً، مدعومة بنماذج تمويل وأسعار منافسة تناسب شرائح أوسع من المستهلكين، الأمر الذي تشهده أسواق المنطقة منذ فترة بطبيعة الحال، ولكن ربما يتضاعف خلال الفترة المقبلة.
في النهاية، يكشف قرار فورد أن تحدّي الانتقال من الوقود الأحفوري إلى النقل النظيف لن تحسمه خطابات الطموح وحدها، فالأمر يتطلب مزيجاً من السياسات الذكية، والنماذج الربحية قابلة الاستدامة، ومنتجات تراعي خصوصية كل سوق. وبالنسبة لمستهلكي الشرق الأوسط، قد تكون السنوات القليلة المقبلة سنوات الهجين الذكي، أكثر من كونها سنوات السيارات الكهربائية بالكامل.
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.












