هل التحرش والاعتداء الجنسي على الأطفال تحول من مجرد واقعة إلى ظاهرة؟ (١)

بقلم / د. إنجي الحسيني. متابعة / عادل شلبي
في السنوات الأخيرة، زادت حالات التحرش والاعتداء الجنسي على الأطفال، ولا أحد ينكر أن نوعية تلك الجرائم منتشرة بشكل كبير في الكثير من الدول، لكن وقع تلك الجرائم في المجتمعات العربية لها تأثير خاص على الرأي العام، نظرا لبشاعة الكثير من الجرائم والتي ترتبط معظمها بسن المجرم سواء كبر سن المعتدي، أو كونه حدث تحت السن القانوني أو عندما يتم مصاحبة الاعتداء بالقتل المتعمد للطفل بشكل مأساوي وقاسي، وأحيانًا يكون التوقيت أو مكان الواقعة هو ما يسبب مزيد من الثورة لدي الرأي العام.
صغر سن الجاني وسيلة للانفلات من العقاب:
على المستوى الزمني القريب، وتحديدًا عام 2013 أثارت قضية الطفلة “زينة” الرأي العام المصري، وعُرفت وقتها القضية باسم “طفلة بورسعيد” والتي لم يتعد عمرها الخمس سنوات، والتي راحت ضحية لجارها وابن حارس العقار الذي تقطن فيه، حيث استدرجاها إلى سطح المنزل وحاولا اغتصابها ثم ألقوها من السطح لتلقى حتفها، في النهاية جاء حكم المحكمة بالسجن 20 عامًا على المتهم الأول، و15 عامًا على المتهم الثاني، وبينما كانا والدا الطفلة يطالبان بالإعدام للقاتلين، أعربت المحكمة عن أسفها الشديد لعدم تمكنها من توقيع أقصى العقوبة لكونها مقيدة بقانون الطفل، لأن المتهمين لم يبلغا 18 عاما.. ومن هنا وقف سن المتهم حائًلا أمام القصاص لروح الطفلة البريئة والتي انطفأت مبكرًا وراحت ضحية لوحوش لا تعرف الرحمة يصفهم القانون ب “الأطفال”.
حقًا “من أمن العقاب أساء الأدب”.. ولأن القوانين ظلت كما هي، يأتي الحكم بالسجن 15 عاما على مغتصب وقاتل الطفلة “أيسل” ذات ال 7 سنوات في حمام سباحة بأحد قرى العين السخنة عام 2023، وجهت والدة الطفلة استغاثة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، دعت فيه إلى تعديل قانون الطفل وقانون الأحداث لتشديد العقوبات في جرائم الاعتداء الجنسي على الصغار، وجعل عقوبة الإعدام ممكنة حتى لو كان الجاني قاصرًا، خاصة وأن المعتدي على ابنتها اعترف بارتكابه الواقعة.. لكن بالطبع يخضع حكم المحكمة لقانون الطفل رقم 12 لسنة 1996، الذي يحظر السجن المؤبد أو الإعدام على القُصّر، حتى في جرائم الاغتصاب والقتل.
المؤسف في حالة الطفلة أيسل والذي لفت انتباه الرأي العام المتعاطف مع تلك الحالات، أن المجرم يدرس بأحد المدارس “الانترناشونال” أي من المفترض أنه يحظى ببيئة متزنة من حيث المستوى الاجتماعي المرتفع مقارنة بقضايا أخرى يكون فيها المجرم من بيئة عشوائية أو له خلفية إجرامية.
سن المعتدى عليهم (حتى الرضيعة لم تنجو من الاعتداء والتحرش):
الأكثر فزعًا، لم يكن يرتبط فقط بسن الجاني “الحدث” وانفلاته من العقاب الذي يستحقه، ولكنه يرتبط أحيانًا بسن المعتدى عليه، مثل قضية الطفلة “جنا” التي عُرفت إعلاميًا عام 2016 باسم “طفلة البامبرز” حيث تم صدور القصاص العادل بإعدام المجرم، ترجع بشاعة تلك الجريمة لكون الطفلة تبلغ من العمر 20 شهرًا حيث اختطفها المجرم من أمام منزلها واغتصابها في حجرة مهجورة، ثم تركها تنزف وفر هاربًا ونقلت على إثره إلى المستشفى..
(عامل الوقت) شهر رمضان لم يمنع الاعتداء على طفلة العاشر:
يأتي “التوقيت” أيضًا كعامل هام يستوجب الاهتمام، ففي نهار شهر رمضان، حيث تُكبل الشياطين، كان أحدهم متحررًا من أغلاله، ناسيًا الحالة الروحانية لهذا الشهر الكريم، وبدون وازع ديني أو أي صحوة لضميره تتبع المجرم الطفلة ذات ال 8 أعوام حتى حمام “المسجد” مستغًلا قضاءها لحاجتها وقام بالاعتداء عليها لمدة عشر دقائق مهددًا الطفلة بالقتل، إلا أن الحكم جاء بالسجن المشدد لمدة 15 سنة.
المدارس مسرح جديد لوقائع تستحق التوقف:
وأخيرًا يأتي مكان الجريمة كأحد العوامل التي تثير الرأي العام، حيث صارت المدرسة مكانًا مسرحًا لارتكاب وقائع التحرش والاعتداء الجنسي بل والاغتصاب الكامل للأطفال، وهذا الأمر ليعتبر مخيفًا ومرعبًا لدرجة كبيرة، مما يستحق دق أجراس الانذار بلا انقطاع كي نثير الانتباه لقضية خطيرة، وهو غياب الرقابة عن أهم المؤسسات في الدولة وهي “المدرسة”
قد نستوعب الآتي وهو؛ أن تواجد طفل في مكان عام، شارع، مول، حديقة، فندق، حمام سباحة… وغيرها من تلك الأماكن هي مسئولية تقع فيها الرقابة على عاتق الأهل في المقام الأول، لكن تظل المدرسة ككيان مؤسسي لها وقع خاص رغم ما شاهدناه من تجاوزات يشيب لها الوجدان بالحضانات ودور الرعاية، والمسجلة بكل بجاحه على فيديوهات توجع القلوب، وهذا يرجع لأن الرادع يكاد يون غير كافي لتحجيم المجرمين ووقف العنف الممارس بكل صوره وأشكاله.
المدرسة مكان إجباري وإلزامي ندع فيها أطفالنا كي يتلقوا حصتهم من التعليم.. بمعنى (لازم العيال تتعلم وتروح المدرسة) وهي المكان الذي يؤسس الطفل تربويًا ونفسيا وتعليميا وثقافيا وهو المناخ التي يتنفس الطفل كي يبني علاقته مع المجتمع قبل دخوله الجامعة، وإلا ما كان كلمتي “التربية والتعليم” ملتصقتان ببعضهما، فالبيت والمدرسة دوران مكملان ومتممان لبناء طفل سوي.
إذن المدرسة كمؤسسة تحتاج لرعاية خاصة واهتمام عالي ورقابة محكمة وشديدة، وما حدث في مدرسة “سيدز” من اعتداءات العاملين على خمس أطفال (عدد مبدأي) هو مهزلة بكل الصور، مهزلة تنبأ عن فساد اداري للكثير من المؤسسات وعدم احكام الرقابة في تلك المواقع الهامة جدًا، وعلى غياب الاشراف والجودة والرعاية المتكاملة.
وما يثير حالة الاحتقان هو ملابسات الاعتداء على أطفال مرحلة “الكي جي” تحت التهديد بالتكبيل واستخدام السلاح الأبيض؛ حيث آمن المجرمون الترتيب والاعداد والتنفيذ لجرائمهم في أماكن لا تخضع لأي نوع من الأشراف والرقابة، وتمت الاعتداءات بمخزن خلف غرفة السائقين.
أي مدرسة هذه بلا ضابط أو مراقب لينشأ فيها شبكة عنكبوتية تمارس تلك الجرائم لعدة سنوات!! والأكثر دهشة عندما تعلم أن أحد الجناة كان يرتدي “ماسك أسود” ويقوم بتصوير ممارساته القذرة للدارك ويب وهذه قضية أخرى لا تقل خطورة عن الجرم ذاته.. وللحديث بقية إنتظرونا. حفظ الله مصرنا والوطن.
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.












