على وقع القنابل: لعبة الوقت بين طهران وواشنطن

بقلم / عادل شلبي
لا يوجد في قاموس السياسة الأمريكية شيء اسمه “مفاوضات بحسن نية” عندما يتعلق الأمر بإيران. ما يحدث الآن ليس دبلوماسية، بل إدارة صراع. هدفه الحقيقي ليس الوصول لاتفاق، بل شراء الوقت، وتفكيك المحاور، وتهيئة المسرح لضربة قاصمة عندما تنضج الظروف.
١. أمريكا المنتصرة؟ أي نصر هذا؟
واشنطن تتعامل من موقع “المنتصر” بعد عقود من العقوبات والحروب بالوكالة. لكنها منتصرة على ماذا؟ على دولة ما زالت تخصب اليورانيوم بنسبة 60%، وتمتلك صواريخ تصل تل أبيب، وأذرع تمتد من صنعاء إلى بيروت. النصر الأمريكي الوحيد هو قدرتها على فرض “التفاوض تحت التهديد”. فهي تأتي للطاولة بيد فيها ورقة العقوبات، ويد فيها خيار القنبلة النووية التكتيكية.
٢. مثلث موسكو – بكين – واشنطن: من يقايض من؟
هنا جوهر اللعبة. أمريكا لا تفاوض إيران وحدها. هي تفاوض الصين وروسيا على إيران.
الصفقة المعروضة على الطاولة:
– لروسيا: غض طرف أمريكي نسبي في أوكرانيا، وتخفيف بعض العقوبات على الطاقة، مقابل ألا تعرقل موسكو أي قرار أممي، وألا تزود طهران بمنظومات S-400 أو سوخوي 35 بشكل يقلب المعادلة.
– للصين: مقايضات في ملف تايوان والتجارة، ووعود بعدم خنق طريق الحرير، مقابل أن تخفف بكين مشترياتها النفطية من إيران، وألا تبيعها تكنولوجيا متقدمة تفيد البرنامج النووي.
واشنطن تريد من بكين وموسكو “حيادًا مدفوع الثمن” يوم تقرر ضرب إيران. لأنها تعرف أن أي ضربة نووية محدودة لإيران بدون ضوء أخضر صيني روسي ستعني حرب عالمية ثالثة. فالمفاوضات معهما هي مفاوضات عن شكل اليوم التالي للضربة، وليس عن منع الضربة.
٣. لماذا التفاوض الطويل؟ فن استنزاف الخصم بالكلام
الغرب بارع في “دبلوماسية الألف يوم”. والهدف ثلاثي:
١. التفكيك النفسي: كل شهر مفاوضات هو شهر إضافي يعلق فيه الشعب الإيراني آماله على انفراجة اقتصادية، فتضعف جبهته الداخلية.
٢. الاستطلاع العميق: طاولات التفاوض هي أكبر غرفة عمليات استخباراتية. كل جولة تكشف أوراق الإيرانيين: خطوطهم الحمراء، نقاط ضعفهم التقنية، خلافاتهم الداخلية.
٣. نزع الشرعية للضربة القادمة: عندما تقرر واشنطن الضرب، ستخرج للعالم وتقول: “فاوضنا ١٠ سنين، قدمنا كل التنازلات، ورفضوا”. التفاوض هو التمهيد الأخلاقي للقنبلة.
٤. غرب لا يحترم ورقة يوقّعها: التاريخ شاهد
هذه هي العقدة التي تفهمها طهران جيدًا. الغرب له سجل موثق في نقض العهود:
الاتفاق ماذا فعل الغرب
اتفاق الجزائر ١٩٨١ استخدمه لتحرير الرهائن ثم فرض عقوبات جديدة.
اتفاق باريس ٢٠٠٤ إيران علقت التخصيب طوعًا، فزاد الغرب من مطالبه.
الاتفاق النووي ٢٠١٥ انسحبت أمريكا منه ٢٠١٨ من طرف واحد رغم التزام إيران وتقارير الوكالة الذرية.
اتفاقيات مينسك
ميركل اعترفت أنها كانت لشراء الوقت لتسليح أوكرانيا.
فلماذا تفترض إيران أن أي “اتفاق ملزم” جديد سيكون حبره أثمن من سابقيه؟ الغرب لا يرى المعاهدات كالتزام، بل كـ”هدنة تكتيكية” حتى يستعيد أنفاسه.
٥. الخلاصة: المفاوضات هي الحرب بشكل آخر
ما يجري ليس مسارًا نحو اتفاق. هو مسار نحو لحظة صفر. أمريكا تفاوض لثلاثة أهداف: عزل إيران عن الصين وروسيا، وامتصاص أي ضربة انتقامية إيرانية مسبقًا عبر تفكيك حلفائها، وتجهيز الرأي العام العالمي لتقبل “ضربة نووية محدودة” باعتبارها “الخيار الأخير”.
وإيران تفاوض لأنها تعرف قواعد اللعبة: تشتري وقتًا لتصل إلى “العتبة النووية” التي تجعل تكلفة ضربها أعلى من مكاسبها. كلاهما يكذب، وكلاهما يعرف أن الآخر يكذب. والجلوس على الطاولة هو فقط بديل مؤقت عن الضغط على الزناد.
الاتفاق الملزم الوحيد الذي يؤمن به الغرب هو الاتفاق الذي يفرضه المنتصر بعد الحرب. وما قبل ذلك كله مجرد استراحة محارب.
ملاحظة:
الواقع السياسي معقد وله قراءات متعددة، وأطراف الأزمة تقدم روايات مختلفة للأحداث لكننا نثق أن الحق والنصر سيكون مع المعتدي عليه لأن الله لا يحب المعتدين
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.












