ذكريات تصنع الواقع

نقلها / عادل شلبي
الحلقة الأسبوعية – اللواء دكتور سمير فرج مع الإعلامي محمد مصطفى شردي
قناة الحياة – الحياة اليوم – الخميس 22 أكتوبر 2026
هناك حلقات تسمعها، وحلقات تعيشها. وحلقة الخميس الماضي مع اللواء سمير فرج كانت من النوع الثاني، حلقة صنعت واقعنا من ذكرياتنا.
جلس اللواء فرج أمام شردي، وكأنه يفتح صندوق أسرار الدولة المصرية، صندوق فيه أربع حروب عاشها، وفيه حاضر معقد نعيشه.
المحور الأول : الحرب الأمريكية الإيرانية وأزمة الديزل الروسي
بدأ اللواء بالملف الأخطر، وقال : ما يحدث بين أمريكا وإيران ليس حرباً شاملة وليس سلاماً، بل هي “المنطقة الرمادية بين الحرب والتهدئة”.
أمريكا تخنق إيران بالنفط والموانئ والأرصدة المجمدة، وإيران ترد باستعراض الحرس الثوري لتقول ما زلت أملك أوراقاً.
وكشف اللواء عن كواليس مقترح التهدئة المروح : 5 أيام هدنة تبدأ بوقف القتال في لبنان واليمن، ثم ينتقلون لأصل الملف : مضيق هرمز، والنفط، والأموال المجمدة. يعني أي اتفاق لن يكون عسكرياً فقط، بل إقتصادي سياسي.
ثم فجّر اللواء مفاجأة أخرى مرتبطة بروسيا : الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرر تخفيف القيود على واردات الديزل الروسي، وهو قرار أغضب أوروبا وأوكرانيا، لأنه يعطي لموسكو موارد مالية تستمر بها في حرب أوكرانيا. وهنا يدخل دور لافروف وزير خارجية روسيا، وتحركات المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف بين موسكو وكييف لإعادة المفاوضات.
كله مرتبط ببعضه : نفط إيران، ديزل روسيا، حرب أوكرانيا، ومضيق هرمز.
المحور الثاني : نهاية الحلقة.. النووي التكتيكي وأم القنابل ووصية الشهادة
وهنا انتقلت الحلقة من السياسة إلى قلب العسكرية، وهي النقطة التي أشرت حضرتك إليها بدقة :
سأل شردي : كيف ستضرب أمريكا إيران لو قررت ؟
قال اللواء فرج : أمامها خياران :
1- القنبلة النووية التكتيكية 7 كيلو : قنبلة صغيرة، المادة النووية الفعالة فيها 7 كيلو جرام فقط، لكنها تحدث زلزالاً نووياً محدوداً يمحو مفاعل فوردو المدفون تحت 80 متراً من الجبل، دون أن تمحو مدينة كاملة. هذا هو الرعب الجديد.
2- أم القنابل MOAB التي تزن 10 طن : شرحها اللواء بالتفصيل كما قلت : هيكلها طن، ومتفجراتها 9 أطنان شديدة الانفجار، المجموع 10 أطنان. لا ترمى من مقاتلة، بل من طائرة نقل C-130، تمسح منطقة قطرها كيلو متر، وتسحب الأكسجين. جربتها أمريكا في أفغانستان 2017 في كهوف تورا بورا، واليوم تلوح بها لإيران.
ثم ختم بما هو أثقل من القنبلتين: توصية القادة لبعضهم عند الشهادة
قال : عندنا في الجيش تقليد لا يعرفه الناس، القائد قبل المهمة الخطرة يعطي لزميله ورقة صغيرة فيها إسم أهله وعنوان بيته، ويقول له :
“لو تعرضت للشهادة.. بلغ أهلي أنني لقيت ربي مقبل غير مدبر، وخلوا بالكم من ولادي تربية ومعتقد، وكملوا المهمة من بعدي ولا ترجعوا إلا بالنصر.”
هذه الوصية توارثناها من اليمن و67 والاستنزاف وأكتوبر إلى اليوم. والرئيس السيسي نفسه كان يفعلها عندما كان مديراً للمخابرات الحربية.
وختم اللواء: أنتم تملكون قنبلة 7 كيلو وقنبلة 10 طن، ونحن نملك عقيدة الوصية والشهادة، ومن يملك هذه العقيدة لا تهزمه قنبلة.
المحور الثالث : حرب أكتوبر غيرت العالم
وفي الجزء الأخير من الحلقة، ختم اللواء سلسلته عن أكتوبر، وقال : أكتوبر لم تكن عبور قناة، بل كانت ثورة في الفكر العسكري العالمي.
قبل أكتوبر كانوا يقولون : الدبابة لا يوقفها إلا دبابة. جاء الجندي المصري المشاة بآر بي جي ولغمين على صدره وظهره، وأوقف ألوية مدرعة كاملة. وأثبت أن كفاءة الفرد وإيمانه أقوى من التكنولوجيا.
وذكر خطة الخداع العبقري للعقيد أحمد نبيه : نشر جنود يفرشون البطاطين على خط بارليف، ومباريات كرة قدم في رمضان، وإعلان رحلات عمرة للضباط، ورسائل مضللة لكيسنجر اعترف بعدها أنها أكبر إخفاق مخابراتي.
وذكر التوجيه 41 للفريق سعد الدين الشاذلي: 12 موجة قوارب، أول قارب فيه قائد الجماعة ورافع العلم، وباقي الجنود يحمل كل واحد لغمين وسترة فيها أكل وذخيرة 3 أيام، وسلالم حبال لصعود الساتر الترابي 20 متراً.
وذكر رجالاً : المشير الجمسي العقل المدبر، والفريق سعد الشاذلي الذي كان الوحيد الذي عاد بمعداته سليمة في 67، والذي أسس سلاح المظلات، والذي جلس في بيته يشاهد التلفزيون يرى السادات يكرم قادة أكتوبر وهو ليس بينهم، فكانت أقسى لحظة في حياته، حتى أنصفه التاريخ بمحور وميدان ودفعة باسمه.
وذكر الفريق مجدي حتاتة، ومشهد تقبيل الرئيس السيسي له، وقال : هذا هو الوفاء، هذا هو جيش مصر.
هذه هي حلقة “ذكريات تصنع الواقع”. من الديزل الروسي إلى مضيق هرمز، إلى أمن السعودية، إلى القنبلة 7 كيلو، إلى أم القنابل 10 طن، إلى وصية الشهادة، إلى التوجيه 41.
كلها خيوط واحدة : أن مصر لا تحارب بسلاح فقط، بل بذاكرة وتاريخ وعقيدة.












