إغراق إيلات التي ترقد في القاع أمام سواحل بورسعيد

بقلم لواء دكتور/ سمير فرج
متابعة / عادل شلبي
يوم 21 أكتوبر عيد القوات البحرية المصرية، وهو اليوم الذي دمرت فيه البحرية المصرية أكبر قطعة بحرية إسرائيلية، والتي ترقد الان في قاع البحر أمام سواحل بورسعيد.
وقد جاءت هذه المعركة بعد أربعة أشهر فقط من هزيمة يونيو 1967، في وقت كانت القوات المسلحة المصرية قد تأثرت ماديًا ومعنويًا، وسرت أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر. إلا أن نجاح عملية إغراق المدمرة إيلات أصبح واحدًا من أغلى الانتصارات العسكرية المصرية في العصر الحديث، وغير العديد من مفاهيم التسليح وأساليب القتال والفكر العسكري البحري في العالم كله.
كانت المدمرة «إيلات» فخر البحرية الإسرائيلية آنذاك، وكان عمرها 25 عامًا عندما انضمت إلى الأسطول البحري الإسرائيلي في يونيو 1956، ضمن صفقة مع بريطانيا ضمت أيضًا المدمرة الثانية «يافا». وكان طاقم المدمرة يتكون من 199 فردًا، منهم 99 من طلبة الكلية البحرية الإسرائيلية الذين كانوا في رحلة تدريبية على ظهرها.
وفي غروب يوم 21 أكتوبر 1967، ظهر على شاشة الرادار في قيادة القاعدة البحرية ببورسعيد هدف بحري كبير يقترب من بورسعيد ويدخل المياه الإقليمية المصرية. ورغم الظروف التي كانت تمر بها البلاد بعد هزيمة يونيو، أصدر قائد القاعدة البحرية ببورسعيد أوامره فورًا بالتعامل مع الهدف.
ويروي قائد المدمرة إيلات، العقيد بحري الإسرائيلي إسحاق شوشان، تفاصيل اللحظات الأخيرة للمدمرة في كتابه «الرحلة الأخيرة للمدمرة إيلات». وذكر أنه أبحر من ميناء حيفا الإسرائيلي متجهًا إلى منطقة العمليات على مدخل قناة السويس، وأنه مع غروب يوم 21 أكتوبر وأثناء اقترابه من مدخل قناة السويس، أبلغه عامل الرادار بأنهم سيدخلون المياه الإقليمية المصرية، فرد عليه قائلًا: «استمروا في التقدم، إنهم مهزومون».
وبعد قليل بدأت أنوار مدينة بورسعيد تظهر في الأفق، فطلب شوشان من مساعده أن يأمر بخروج طلبة الكلية البحرية إلى سطح المدمرة لمشاهدة «نصر إسرائيل»، بينما كانوا يقتربون من بورسعيد ومدخل قناة السويس.
وأشار شوشان إلى أن ما حدث كان «غلطة الاستخبارات الإسرائيلية»، سواء الموساد أو المخابرات العسكرية «أمان»، التي لم تخبرهم بأن المصريين يمتلكون لنشات صواريخ سطح–سطح من الطراز الروسي «كومار»، مزودة بصواريخ «ستيكس»، وأن وصول هذه المعلومات إليهم كان سيغير الموقف القتالي تمامًا وأسلوب اقترابهم داخل المياه الإقليمية المصرية.
وانطلق لنشا الصواريخ المصريان من ميناء بورسعيد للتعامل مع المدمرة. وطبقًا لتقارير البحرية المصرية، انطلق اللنش الصاروخي رقم 504 بقيادة النقيب أحمد شاكر، ومساعده الملازم أول حسن حسني، حاملًا الصاروخين الأولين.
وبعد إطلاقهما بساعة، أفادت القيادة البحرية في بورسعيد بأن الهدف لا يزال ظاهرًا على شاشة الرادار، فانطلق اللنش الصاروخي رقم 501 حاملًا الصاروخين الثالث والرابع، بقيادة النقيب لطفي جاد الله، ومساعده الملازم أول ممدوح نعيم، لتهوي بعدها المدمرة إيلات في قاع البحر المتوسط أمام ساحل بورسعيد.
ومن جانبه، وصف إسحاق شوشان اللحظة التي صرخ فيها عامل الرادار بأن صواريخ مصرية أُطلقت في اتجاه المدمرة. ولم تكن أمامه فرصة للمناورة، فسقط الصاروخان على المدمرة وأصاباها إصابة مباشرة، ثم أطلق اللنش المصري الثاني صاروخين آخرين عليها، مما أدى إلى إغراقها بالكامل.
وذكر شوشان أن الصواريخ كانت من طراز «ستيكس» الروسية المحمولة على لنشات صاروخية بحرية من طراز «كومار»، وأن المدمرة غرقت تمامًا بعد ساعتين من إطلاق الصواريخ الأربعة، بفارق ساعة بين كل صاروخين.
وذكر شوشان كذلك أنه طلب النجدة من القوات الجوية الإسرائيلية، التي ظلت طوال الليل تحاول إنقاذ الغرقى من طاقم المدمرة وطلبة الكلية البحرية. كما تدخلت رئاسة الأركان الإسرائيلية وطلبت من مصر السماح لها بانتشال جثث الغرقى والعالقين داخل المياه الإقليمية المصرية، فسمحت القيادة المصرية بذلك.
وطبقًا لسجلات البحرية الإسرائيلية، قُتل في العملية 47 جنديًا إسرائيليًا، وألقى إسحاق شوشان باللوم على الاستخبارات الإسرائيلية، التي لم يكن لديها علم بنية ولا بقدرات البحرية المصرية على إطلاق صواريخها تجاه المدمرة إيلات. وظل حطام المدمرة راقدًا في أعماق المياه أمام شواطئ بورسعيد شاهدًا على عظمة المقاتل المصري.
وعند الحديث عن أبطال هذه العملية، لا ننسى النقيب أحمد شاكر والنقيب لطفي جاد الله، قائدي لنشات الصواريخ، ومعاونيهما وأطقم اللنشات، ومنهم الملازم أول حسن حسني، والضباط والجنود المصريون الذين شاركوا في هذه الملحمة. وقد خلدت القوات البحرية المصرية ذكرى هذا الانتصار باعتبار يوم 21 أكتوبر عيدًا لها.
وقد كان لإغراق المدمرة إيلات تأثير كبير على الفكر العسكري البحري في العالم، فتغير مفهوم نوع وحجم القطع البحرية، ونوعية التسليح، وشكل وإمكانات الرادارات الحديثة.
كما لا تُنسى عمليات أخرى للقوات البحرية المصرية، ومنها إغراق الغواصة الإسرائيلية «دافار»، التي يوجد حطامها في المتحف البحري في إسرائيل، وعملية تدمير الحفار الإسرائيلي أمام شواطئ ساحل العاج. وقد تركت هذه العمليات المصرية الناجحة أثرًا كبيرًا، وأثبتت قدرة البحرية المصرية على حماية الأمن القومي المصري وردع من يحاول المساس به.
وهكذا تظل القوات البحرية المصرية قوة كبيرة لحماية الأمن القومي المصري، وتأمين الاستثمارات في البحر المتوسط وقناة السويس، ويظل يوم 21 أكتوبر يوم فخر وعزة للقوات البحرية المصرية، لتفخر مصر بانتصارات أبنائها ورجال قواتها البحرية، التي ترفع راية العزة والكرامة وتحمي حدود مصر ومياهها الإقليمية بكل فخر وشرف.




