أين رجال الأعمال من مشاكل محافظاتهم ؟

الخبير الأمني لواء / خيرت شكري
متابعة / عادل شلبي
أحياناً لا تكون المشكلة في نقص الإمكانات، وإنما في غياب التنسيق وحسن استثمار الإمكانات الموجودة.
وأقول ذلك من واقع تجربة عشتها بنفسي عندما كنت مديراً لإدارة مباحث أمن الدولة بمحافظة أكتوبر، وكان الدكتور فتحي سعد، رحمه الله، محافظاً للمحافظة.
كان الدكتور فتحي سعد شخصية متميزة؛ ذكياً، متواضعاً، قوياً في اتخاذ القرار، وقريباً من تفاصيل ما يحدث في المحافظة. وكنا نلتقي بصورة منتظمة، تقريباً كل أسبوع، سواء في مكتبي أو في مكتبه، لتبادل المعلومات حول الملفات المختلفة، ومناقشة ما يستجد من أحداث سياسية وأمنية، إلى جانب القضايا التي تهم المواطن وتحتاج إلى تدخل سريع.
وأذكر جيداً أنه قبل بداية إحدى السنوات الدراسية بنحو شهر، كان ملف استعداد المدارس يشغل مساحة كبيرة من اهتمامه. كانت هناك مشكلات في بعض المدارس؛ فصول تحتاج إلى تجهيز، ومقاعد وديسكات، وبعض أعمال البنية الأساسية التي كان لا بد من الانتهاء منها قبل وصول الطلاب.
لكن اللافت بالنسبة لي لم يكن وجود المشكلات، فهذا أمر وارد في أي محافظة، وإنما كان أسلوب المحافظ في التعامل معها.
فوجئت به يتصل بعدد من رجال الأعمال في مدينة أكتوبر، واحداً تلو الآخر، ويشرح لهم احتياجات المحافظة والمدارس، ويطلب منهم المساهمة في تجهيزها قبل بدء العام الدراسي. وكانت الاستجابة كبيرة، كل من اتصل به تقريباً تجاوب معه، وكانت التبرعات بمبالغ كبيرة، وأذكر أن أقل تبرع من أحد رجال الأعمال كان مليوني جنيه.
لم يكن الرجل ينتظر أن تتحول المشكلة إلى أزمة أو قضية رأي عام، ولم يكن ينتظر أن تتصدر الصحف أخبار مدرسة تعاني من نقص في احتياجاتها. كان يعرف المشكلة، ويعرف من يستطيع المساهمة في حلها، فتحرك في الوقت المناسب.
وهنا تحديداً تكمن أهمية التنسيق بين المحافظ ورجال الأعمال.
أتذكر هذه الواقعة كلما قرأت أو سمعت عن مشكلة جديدة مع بداية العام الدراسي. ومن بين ما أثار انتباهي مؤخراً ما أُعلن عن مديرة مدرسة في محافظة القليوبية اضطرت إلى الإنفاق من مالها الخاص للمساهمة في إدخال المياه والصرف إلى المدرسة، وما صاحب ذلك من حوار بينها وبين المحافظ.
وبعيداً عن تفاصيل الواقعة، التي يملك المسؤولون وحدهم تفاصيلها الكاملة، فإن المشهد دفعني إلى طرح سؤال أراه مشروعاً :
أين رجال الأعمال في المحافظة؟ أين المستثمرين ؟ أين جمعية المستثمرين ؟ وأين التنسيق بين المحافظة ومجتمع الأعمال للاستفادة من المسئولية المجتمعية في حل مثل هذه المشكلات ؟
لا أحد يقول إن رجل الأعمال يجب أن يتحمل مسئولية الدولة. فالدولة مسئولة عن توفير الخدمات الأساسية، والمدرسة التي تحتاج إلى مياه أو صرف صحي أو مقاعد وتجهيزات يجب أن يكون هناك جهاز تنفيذي مسئول عن توفيرها.
لكن في المقابل، فإن رجال الأعمال جزء من نسيج المجتمع، وهم يعيشون ويعملون ويستثمرون داخل هذه المحافظات، ومن الطبيعي أن تكون لهم مساهمة في تنميتها، خصوصاً في مجالات التعليم والصحة والخدمات المجتمعية.
وهنا يظهر الدور الحقيقي للمحافظ.
المحافظ الناجح لا يدير مكتبه فقط. ليس دوره أن يتابع التقارير التي تصله من الأجهزة التنفيذية فقط. المحافظ الناجح هو الذي يعرف إمكانات محافظته، ويعرف رجال أعمالها ومستثمريها، ويفتح معهم قنوات اتصال دائمة، ويضع أمامهم احتياجات المحافظة وأولوياتها.
وهذا ما شاهدته بنفسي في أكتوبر. وشاهدت شيئاً قريباً من ذلك أيضاً عندما عملت مع الفريق سعد أبو ريدة، محافظ البحر الأحمر، رحمه الله، حيث كان يتم التنسيق مع جمعية المستثمرين ورجال الأعمال، وتوزيع المدارس على رجال الأعمال للمساهمة في صيانتها وتجهيزها قبل بدء العام الدراسي.
كانت الفكرة بسيطة جداً: المحافظة تحدد الاحتياجات، ورجال الأعمال يساهمون، والأجهزة التنفيذية تشرف وتتابع. والنتيجة أن الجميع يعمل في اتجاه واحد.
لماذا لا نعيد هذا النموذج ؟
لماذا لا تكون هناك، في كل محافظة، لجنة أو آلية دائمة للتنسيق بين المحافظ ورجال الأعمال وجمعية المستثمرين والمجتمع المدني؟ يتم من خلالها حصر احتياجات المحافظة قبل بداية العام الدراسي بوقت كافٍ، وتحديد الأولويات، ثم توزيع المشروعات على رجال الأعمال الراغبين في المشاركة، مع وجود رقابة وإشراف كاملين من الأجهزة المعنية.
وبذلك لا ننتظر حتى نجد مدرسة بلا مياه، أو مدرسة تحتاج إلى صرف صحي، أو مدرسة تفتقر إلى مقاعد، ثم تبدأ التحركات بعد ظهور المشكلة. الوقاية هنا أفضل من رد الفعل.
والأهم أن هذا الأسلوب يحفظ للدولة مسئوليتها، وفي الوقت نفسه يفتح الباب أمام رجال الأعمال للقيام بدورهم المجتمعي بصورة منظمة.
كلمة أخيرة
أنا لا أكتب هذه السطور لمهاجمة محافظ أو الدفاع عن مسئول، ولا أرى أن كل مشكلة في مدرسة تعني بالضرورة وجود تقصير من المحافظ.
لكنني أطرح سؤالاً من واقع تجربة سابقة عشتها بنفسي : إذا كان في كل محافظة رجال أعمال ومستثمرون يمتلكون إمكانات كبيرة، فلماذا لا يتم توظيف جزء من هذه الإمكانات بصورة منظمة لخدمة المحافظة التي يعملون ويستثمرون فيها؟
ولماذا نسمع عن مدير أو مديرة مدرسة يضطر إلى تحمل تكلفة إصلاح أو توفير خدمة من ماله الخاص، بينما يمكن أن تكون هناك منظومة واضحة للتنسيق بين المحافظة ورجال الأعمال ؟
المسألة ليست تبرعات.. المسألة شراكة في المسئولية.
الدولة لها دورها، والمحافظ له دوره، ورجل الأعمال له دوره، والمجتمع المدني له دوره. وعندما تتكامل هذه الأدوار، يمكن أن نحل كثيراً من المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات.
وأتمنى أن نرى المحافظين يجلسون بصورة دورية مع رجال الأعمال والمستثمرين، ليس فقط لبحث فرص الاستثمار، وإنما أيضاً لبحث احتياجات المواطن ومشكلات المحافظة. فربما يكون الحل موجوداً بالفعل داخل المحافظة، لكنه يحتاج فقط إلى أن يجلس الجميع على طاولة واحدة.
وهنا أتذكر تجربة الدكتور فتحي سعد والفريق سعد أبو ريدة، رحمهما الله، وأقول : ما دام هذا النموذج قد نجح من قبل.. فلماذا لا نعيده ا












