لواء دكتور/ سمير فرج
حوار ورأي

أين الجيش في انتخابات الرئاسة؟ بقلم: لواء دكتور/ سمير فرج

متابعة/ عادل شلبى
في اليوم الثاني من أيام الاستحقاق، توجهت لتأدية واجبي الوطني، بالمشاركة في انتخابات رئاسة الجمهورية، ووصلت إلى لجنة الانتخابات المحددة لي، في مدرسة سيزا نبراوي، بمنطقة التجمع الخامس، في الصباح، متعمداً الوصول مبكراً، لأنتهي من الإجراءات اللازمة، قبل أن أستأنف يومي، بعد ذلك. ووصلت، بالفعل، في تمام التاسعة إلا عشر دقائق، لأتفاجأ بمشهد الطوابير المصطفة أمام اللجنة الانتخابية، فطابور الرجال امتد لأكثر من نصف كيلو متر، ومثله، تماماً، طابور السيدات. ولأن، البعض، قد لا يصدق، إلا إن شاهد بنفسه، وحيث أن الصورة لا تكذب، فلقد قام مندوب صحيفة اليوم السابع بتصوير تلك الطوابير، ونشرها، على الفور، على شبكات التواصل الاجتماعي، ليطلع عليها الجميع.
ودخلت اللجنة، وأديت واجبي الانتخابي، وعند خروجي منها، وبمشاهدة الطوابير، التي زاد أعداد الواقفين فيها، تبادر إلى ذهني سؤال، وهو “أين أفراد القوات المسلحة، التي أعتدنا رؤيتها، طوال العشر سنوات الماضية، لتأمين مثل تلك العمليات الانتخابية، سواء الرئاسية أو البرلمانية؟”، فلم أرى حولي أي من العربات المدرعة، سواء التابعة للقوات المسلحة أو للشرطة المدنية، ولم أرى أفراد الخدمة من الشرطة العسكرية للقوات المسلحة، ولا حتى وحدات الأمن المركزي للشرطة المصرية بعرباتهم المدرعة. فلم يكن لأي منهم حضور في المشهد، الذي اقتصر على التأمين فيه على وجود أفراد الشرطة المدنية، لتأمين مقار اللجان، وفقاً للنظم المعمول بها في أي مكان في العالم، ووفقاً لاحتياجاته، فرأيت في لجنتي الانتخابية ضابط شرطة، سيدة، برتبة نقيب، لمساعدة السيدات من كبار السن، وتنظيم دخولهم وخروجهم من اللجنة الانتخابية للإدلاء بأصواتهن.
ولما عدت لسيارتي، طلبت من السائق أن يتجول حول المدرسة، التي أدليت فيها بصوتي، لعلي أجد أي من عناصر القوات المسلحة أو من الأمن المركزي، بعرباتهم المدرعة، والتي عادة ما تتواجد بالقرب من مكان اللجان الانتخابية، ونطلق عليها في القوات المسلحة اسم “احتياطي قريب”، والذي تكون مهمته التواجد بالقرب من منطقة الحدث، للتدخل، سريعاً، في حالات الطوارئ، إلا أنني لم أجد أي من أفرادهم في محيط منطقة الانتخابات. والحقيقة أنني شعرت بالفخر والطمأنينة، بعودة مصر، كما كانت دوماً، دولة قوية ومستقرة وآمنة، قادرة على تنفيذ أهم استحقاق انتخابي، في عصرها الحديث، بصورة حضارية.
ولما وصلت إلى مكتبي، اتصلت بقيادة القوات المسلحة، للاستفسار عن سبب أو أسباب غياب قوات التأمين من القوات المسلحة، والتي اعتادت الخروج لتأمين اللجان الانتخابية، خلال العشر سنوات السابقة؟ وجاءني الرد واضحاً، بأن السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي أصدر تعليماته بعدم تدخل أفراد القوات المسلحة، أو الأمن المركزي، في عمليات تأمين اللجان الانتخابية، نظراً لعدم الحاجة لتواجدهم، في ظل ما تشهده البلاد من استقرار الأوضاع بها، وهو ما يجب أن يظهر جلياً للعالم كله، وأن يقتصر التأمين على التواجد الشرطي اللازم في مثل تلك المواقف، التي يعتمد تأمينها، بالأساس، على حسن تصرف أبناء الشعب المصري.
والحقيقة أن الرهان كان في محله، فقد خرج الشعب المصري، في مظهر حضاري، فاق كل التوقعات، سواء بالحضور المكثف، أو بالانضباط، في اللجان الانتخابية، ليحقق أكبر نسبة مشاركة في العقود الأخيرة، وفق ما صدر من استطلاعات أولية، فلم تشهد اللجان الانتخابية، في عموم مصر، أية خروقات أو أحداث غير منضبطة، ليثبت الشعب المصري العظيم، مرة أخرى، حبه وولائه وإخلاصه لوطنه، وحرصه على ظهور مصر في أبهى صورها، التي تستحقها.
وفي اليوم الأخير من الانتخابات، كنت على موعد مع طلبة جامعة المنصورة الجديدة، لألقي عليهم محاضرة عن تحديات الأمن القومي المصري، ضمن سلسلة من الزيارات لمختلف جامعات مصر، منذ بداية شهر أكتوبر الماضي، زرت خلالها 20 جامعة وطنية وخاصة. وكم كانت سعادتي عظيمة، وأنا أصعد على المنصة، لأجد طلبة الجامعة والسادة أعضاء هيئة التدريس، والكل قد رفع يديه، ليظهر علامات الحبر الفسفوري على أصابعهم، دليلاً على قيامهم بتأدية الواجب الانتخابي، والإدلاء بأصواتهم في العملية الانتخابية. وهو ما يعد أحد أهم مؤشرات نجاح العملية الانتخابية، بعد سنوات من عزوف الشباب عن المشاركة في أي عملية انتخابية، متحدياً الأبواق الزائفة لجماعة الإخوان وتابعيهم، من كارهي مصر، الذين حاولوا إثناء أفراد الشعب عن المشاركة، بدعوى أن النتيجة محسومة لصالح مشرح رئاسي محدد. بينما، في الحقيقة، أن المشاركة في الانتخابات، هي أولى خطوات ممارسة الحرية والديمقراطية، بصرف النظر عن النتائج، وهو الواجب الذي لا يجب التفريط فيه أبداً.
ومن هذا كله، أرى أن انتخابات الرئاسة المصرية، لعام 2023، ستبقى علامة فارقة في تاريخ مصر الحديث، لعدة أسباب، أولها كثافة المشاركة فيها من كل فئات الشعب وطبقاته، وثانيها عدم احتياجها لتأمين إضافي من الشرطة أو القوات المسلحة، وثالثاً، وهو الأهم، إقبال الشباب المصري على المشاركة فيها، وممارسة حقه الديمقراطي، لتظهر مصر في صورتها العظيمة للعالم كله، بالتزامن مع احتفالاتها بذكرى مرور 100 عام على أول عملية انتخابية تمت في تاريخ مصر، بعد دستور 1923، وليشرفها أبناءها وشبابها، بأن تكون مشاركتهم بصورة منضبطة، وحضارية، تليق بمكانة مصر بين دول العالم، وليثبت أن بلاده عظيمة وآمنة ومستقرة، ولها دور عظيم في تحقيق الديمقراطية منذ القدم وعبر العصور.