مقالات الكتاب

المفاوضات بين المنتصرين: لماذا يربح الكبار ويخسر العالم؟

بقلم: عادل شلبي

المنطق يقول إن المفاوضات تُنهي الحروب. لكن الواقع يقول العكس حين يتفاوض منتصران. فكل طرف يأتي للمائدة وهو يرى نفسه حقق أهدافه، فيتحول التفاوض من جسر للسلام إلى استراحة محارب. بعد ضربات يونيو ٢٠٢٥، أعلنت واشنطن “نصراً كاملاً” بتدمير منشآت فوردو ونطنز، وطهران ردت بضرب قاعدة العديد وأعلنت “تلقين أمريكا درساً”. هنا المأزق: لما الكل كسبان، لا أحد يتنازل. النتيجة؟ استمرار الحرب بأشكال أخرى، والعالم يدفع الثمن بتضخم وارتفاع طاقة وتعطل ملاحة. فالعالم هو المنهزم الوحيد. إغلاق مضيق هرمز ليوم واحد يرفع النفط ٣٠% ويشل ٢٠% من تجارة الطاقة العالمية، وقناة السويس خسرت ٦٠% من إيراداتها سنة ٢٠٢٤ بسبب توتر البحر الأحمر. الفاتورة يدفعها المواطن العادي من القاهرة لجاكرتا.

هذا يفسر لماذا لا تُجدي المفاوضات بين منتصرين شيئاً سوى استمرار الحرب، تماماً كما نرى في أوكرانيا حيث تسيطر روسيا على ١٨% من الأرض وتعتبره نصراً، وأوكرانيا بدعم الناتو ترى صمودها نصراً، فكانت النتيجة ٣ سنين من المفاوضات المتقطعة والحرب مستمرة. ونفس المنطق حكم جولات فيينا النووية ٢٠٢١-٢٠٢٢، حين زودت إيران تخصيب اليورانيوم لـ٦٠% واعتبرته ورقة قوة، وأمريكا رأت العقوبات ناجحة، فتوقفت المحادثات.

المخرج من هذا المأزق لن يأتي من واشنطن وطهران وحدهما، بل من قوى الوسط التي تملك مصلحة وقدرة ضغط على الطرفين. الغرب يعتمد على سلاسل الإمداد الآسيوية، وإيران تبيع ٩٠% من نفطها للصين التي تستورد ١٫٢ مليون برميل/يوم منها ولها استثمارات ٤٠٠ مليار دولار في اتفاق الـ٢٥ سنة. أوروبا تستورد ٤٠% من طاقتها من آسيا. لذلك بكين وموسكو والقاهرة تملك ما لا تملكه واشنطن: قدرة التأثير على الطرفين معاً. واتفاق بكين بين السعودية وإيران ٢٠٢٣ دليل أن الوسيط الشرقي ينجح حين يفشل الغربي.

وفي قلب هذا المشهد برز الدور المصري كصمام أمان إقليمي. تحرك الرئيس عبد الفتاح السيسي على ٣ مسارات متوازية: أولاً، قيادة مفاوضات الهدنة في غزة منذ أكتوبر ٢٠٢٣، حيث استضافت القاهرة ١٢ جولة تفاوض بين حماس وإسرائيل، ونجحت في إدخال ٨٠% من مساعدات القطاع عبر معبر رفح. ثانياً، تأمين الملاحة بعد تضرر قناة السويس، فكثفت مصر اتصالاتها مع صنعاء وطهران لخفض هجمات البحر الأحمر، وطرحت مبادرة “ممرات آمنة” برعاية الأمم المتحدة. ثالثاً، تقريب وجهات النظر الإقليمية عبر استضافة قمة القاهرة للسلام ٢٠٢٣، والحفاظ على قنوات مفتوحة مع طهران والرياض وأبوظبي، لتصبح وسيطاً مقبولاً من كل الأطراف.

لا سلام بلا ثمن، ولا ثمن يدفعه المنتصر. الحل يبدأ حين تدرك القوى الوسطى أن انبطاح العالم لم يعد خياراً. دخول الصين ومصر وروسيا بثقلها الاقتصادي والسياسي، وبالخبرة المصرية المتراكمة في إدارة الملفات المعقدة، هو الضمانة الوحيدة لتحويل “نصر الطرفين” إلى “نجاة الجميع”. تحيا مصر يحيا الوطن بخير أجناد الأرض على الدوام.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading